تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الرد على ابن تيمية من كلام الشيخ الأكبر — صفحة 397

مساهمون:

ص٣٩٧

قول القائل : إن الكلام إذا خرج من القلب وقع في القلب ، وإذا خرج من اللسان لم يعد الآذان

الكلام صفة مؤثرة نفسيّة رحمانية ، مشتقة من الكلم وهو الجرح ، فلهذا قلنا مؤثرة ، كما أثر الكلم في جسم المجروح ، فأول كلام شق سمع الممكنات كلمة « كن » فما ظهر العالم إلا عن صفة الكلام ، وهو توجه نفس الرحمن على عين من الأعيان ، ينفتح في ذلك النفس شخصية ذلك المقصود ، فيعبر عن ذلك الكون بالكلام ، وعن المتكون فيه بالنفس ، فأي عين عيّن النفس الرحماني من الأعيان الثابتة اتصفت بالوجود ، فلابد لكل متكلم من أثر في نفس من كلّمه ، غير أن المتكلم قد يكون إلهيا وربانيا ورحمانيا ، فمن كونه ربانيا ورحمانيا لا يشترط في كلامه خلق عين ظاهرة ، سوى ما ظهر من صورة الكلام التي أنشأها عند التلفظ ، فإن أثرت نشأة كلامه نشأة أخرى ، وهو أن يقول لزيد « قم » فهذا المتكلم قد أنشأ نشأة « قم » فإن قام زيد لأمره ، فقد أنشأ هذا الآمر صورة القيام في زيد عن نشأة لفظة « قم » فهو إلهي ، لأن إنشاء الأعيان إنما هو للّه ، وهذا عام في جميع الخلق ، فإن لم يسمع منه ، ولا أثرت فيه نشأة أمره ، فهو قاصر الهمة ، وليس بإلهي في هذه الحال ، وإنما هو رباني أو رحماني ، ولا يلزم للرباني والرحماني سوى إقامة نشأة الكلام خاصة ، والإلهي هو الذي ذكرناه ، غير أن الإلهي على نوعين : إلهي كما ذكرناه ، وإلهي يؤثر كلامه في الأشياء مطلقا ، من جماد ونبات وحيوان وكون - أي كون كان علوا وسفلا - فهذا هو الإلهي المطلوب في هذا الطريق ، ولا يصح وجوده عاما في هذه الدار ، بل محله الجنان ، فإنه لا أكبر من محمد صلى اللّه عليه وسلم ، وقد قال لمن حقت عليه كلمة العذاب ، قل : لا إله إلا اللّه ؛ فما ظهر عن نشأة أمره نشأة « لا إله إلا اللّه » في محل المأمور ، وإن كان على بصيرة فيه ، لكنه مأمور أن يأمر ، وهو حريص على الأمة ، فليس كل متكلم في الدنيا بإلهي مطلق ، لكن له الإطلاق فيما يريد أن ينشئه في نفسه لا في غيره . ( ف ح 2 / 181 ) واعلم أن الناس غلطوا في الصادقين من عباد اللّه ، المثابرين على طاعة اللّه ، واشترط من لا يعرف الأمر على ما هو عليه ، ولا ذاق طريق القوم ، أن الداعي إلى اللّه ، إذا كان
الرد على ابن تيمية من كلام الشيخ الأكبر — صفحة 397 | محمود محمود الغراب