قول الناس : هذا ببركة فلان ، وبهمة فلان
ورد في الخبر في إثبات النسب بيننا وبين اللّه ، أن اللّه يقول يوم القيامة : اليوم أضع نسبكم وأرفع نسبي ، أين المتقون ؟ وهم الذين جعلوا نفوسهم وقاية يحمون بها جانب اللّه تعالى ، فالمدار على صحة النسب الإلهي ، فإذا صح النسب لم تبق غربة في حق من صح نسبه ، ولا يصح النسب حتى يقع التناسب في الصفة ، فإذا كان العبد أحدي الذات في شأنه ، معروفا عند اللّه مجهولا في العالم ، لا يعرف نسبه ولا ينال منصبه يسأل اللّه به ، ويلجأ إليه عند الاضطرار من غير تعيين ولا تمييز ، وهو الذي يدعى به إذا جاءت الشدائد ، فيقول صاحبها : اللهم بحرمة الصالحين عندك افعل لي كذا وكذا ، فهو المجهول المعيّن ، ولم يتولد عنه أمر يوجب تمييزه عند الأجانب من الأجانب ، ولم يدل عليه ، لأنه لا يدلّ عليه حتى يكون مطلوبا ، والذي لا يؤبه له لا يطلب ، ثم إنه يكون على حالة لا يزنه فيها أحد من خلق اللّه إلا من له هذا المقام ، فإذا كان بمثل هذه الصفات صح النسب . ( ف ح 4 / 69 )
والعبد الكامل من يوصل الإحسان لكل ما في العالم بهمته من الغيب - كما يوصله الحق من الأسباب - فيجهله العالم ، لأنه لا يشهده في الإحسان ، كما يجهل الحق بالأسباب ، فيقول : لولا كذا ما كان كذا ، ونسي الحق في جنب السبب ، فلابد أن ينسى هذا العبد الكامل ، وكما أن للّه عبادا وإن وقفوا مع الأسباب يقولون : هذا من عند اللّه ، ليس للسبب فيه حكم ، كذلك للّه عباد يقولون : هذا ببركة فلان وهمته ، ولولا همته ما جرى كذا ، وما دفع اللّه عنا كذا ، ومنهم من يقول ذلك عقدا وإيمانا ، ومنهم من يقول ذلك عن غلبة ظن ؛ فهذا عبد قد أقامه الحق في قلوب عباده مقامه في الحالين ، فالناس ينطقون بذلك ولا يعرفون أصله ، وقد ورد في الحديث الصحيح أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال لأصحابه من الأنصار ، في واقعة وقعت في فتح مكة في غزوة حنين فقال لهم : ألم تكونوا ضلالا فهداكم اللّه بي ، فذكر نفسه ، ووجدتكم على شفا حفرة من النار ، فأنقذكم اللّه بي ؛ وهذا معنى قول الناس : هذا ببركة فلان ، وهذا بهمة فلان ، وقولهم : اجعلني في خاطرك وفي همتك ، ولا تنساني وأشباه هذا .
( ف ح 3 / 407 )