الجزء الأول الصفحة 524 : الكامل من أهل الشرع ، هو الذي أحكم العلم والعمل ، فجمع بين الظاهر والباطن ، والناقص منهم هم الفقهاء الذين يعلمون ولا يعملون ، ويقولون بالظاهر ولا يعرفون الباطن ، كما قال تعالى
يَعْلَمُونَ ظاهِراً مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غافِلُونَ
.
ويقول الشيخ قدس اللّه سره العزيز في كتابه روح القدس في محاسبة النفس : فإياك يا أخي - عافاك اللّه من الظن السوء - من أن تظن في أني أذم الفقهاء من أجل أنهم فقهاء ، أو لنقلهم الفقه ، لا ينبغي أن يظنّ هذا بمسلم ، وإن شرف الفقه وعلم الشرع لا خفاء به ، ولكن أذم من الفقهاء الصنف الذي تكالب على الدنيا ، وطلب الفقه للرياء والسمعة ، وابتغى به نظر الناس ليقال ، ولازم المراء والجدال ، وأخذ يرد على أبناء الآخرة الذين اتقوا اللّه فعلمهم اللّه من لدنه علما ، فأخذت الفقهاء - أعني هذا الصنف منهم - في الرد عليهم في علم لا يعلمونه ولا عرفوا أصوله ، ولو سئل أحدهم عن شرح لفظة مما اصطلح عليه علماء الآخرة ما عرفها ، وكفى به جهلا ، ولو نظر في قول اللّه تعالى :
ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ حاجَجْتُمْ فِيما لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ ، فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيما لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ
الآية ، لا عتبر وتاب ، وقد ذم النبي صلى اللّه عليه وسلم العلماء الذين طلبوا العلم لغير اللّه ، وتصرفوا به في غير مرضاة اللّه ، لا لكونهم علموا ، كما مدح الصنف الآخر من العلماء بالخشية وغير ذلك ، كما أني قد ذممت الصوفية في كتابي هذا ، ولم أرد به الصادقين ، وإنما أعني الصنف الذي تزيا بزيهم عند الناس وباطنه مع اللّه بخلاف ذلك ، قال اللّه تعالى
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلى ما فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصامِ
الآية ، فلا أنكر مرتبة الفقه وقد سمعت من النبي صلى اللّه عليه وسلم يقول : « من يرد اللّه به خيرا يفقهه في الدين » ولما كان هذا الصنف من الفقهاء غلبت عليهم نفوسهم وشهواتهم ، واستولى عليهم الشيطان ، وعلى أيديهم جرى الضرر على أولياء اللّه ، ويشهادتهم هلكوا ، كما سيأتي في آخر الكتاب هذا عن النبي صلى اللّه عليه وسلم ، وأما العلماء العاملون المنصفون الراسخون في العلم ، فهم السادة الذين هداهم اللّه ، فهم مصابيح الهدى وأعلام التقى ، وارثو رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في العلم والعمل والإخلاص والوصف الذي صح لهم به نسب