الكاذبين في دعواهم ، ونعم ما فعلوا ، وما على الصادقين في هذا من ضرر ، لأن الكلام والعبارة عن مثل هذا ما هو ضربة لازب ، وفي ما ورد عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في ذلك كفاية لهم ، فيوردونها يستريحون إليها ، من تعجب وفرح وضحك وتبشش ، ونزول ومعية ومحبة وشوق ، وما أشبه ذلك ، مما لو انفرد بالعبارة عنه الولي كفّر ، وربما قتل ، وأكثر علماء الرسوم عدموا علم ذلك ذوقا وشربا ، فأنكروا مثل هذا من العارفين حسدا من عند أنفسهم ، إذ لو استحال إطلاق مثل هذا على اللّه تعالى ما أطلقه على نفسه ، ولا أطلقته رسله عليهم السلام عليه ، ومنعهم الحسد أن يعلموا أن ذلك رد على كتاب اللّه ، وتحجير على رحمة اللّه أن تنال بعض عباد اللّه ، وأكثر العامة تابعون للفقهاء في هذا الإنكار تقليدا لهم ، لا بل بحمد اللّه أقل العامة ، وأما الملوك فالغالب عليهم عدم الوصول إلى مشاهدة هذه الحقائق ، لشغلهم بما دفعوا إليه ، فساعدوا علماء الرسوم فيما ذهبوا إليه ، إلا القليل منهم ، فإنهم اتهموا علماء الرسوم في ذلك ، لما رأوه من انكبابهم على حطام الدنيا وهم في غنى عنه ، وحب الجاه والرياسة ، وتمشية أغراض الملوك فيما لا يجوز ، وبقي العلماء باللّه تحت ذل العجز والحصر معهم ، كرسول كذبه قومه ، وما آمن به واحد منهم ، ولم يزل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يحرس حتى نزل
وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ
فانظر ما يقاسيه في نفسه العالم باللّه ، فسبحان من أعمى بصائرهم ، حيث أسلموا وسلّموا وآمنوا بما به كفروا ، فاللّه يجعلنا ممن عرف الرجال بالحق ، لا ممن عرف الحق بالرجال . . . ا ه .
الجزء الأول الصفحة 279 : فصدق علماء الرسوم عندنا فيما قالوا : إن العلم لا يكون إلا بالتعلم ؛ وأخطؤوا في اعتقادهم أن اللّه لا يعلم من ليس بنبي ولا رسول ، يقول اللّه
يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشاءُ
وهي العلم ، وجاء بمن وهي نكرة ، ولكن علماء الرسوم لما آثروا الدنيا على الآخرة ، وآثروا جانب الحلق على جانب الحق ، وتعودوا أخذ العلم من الكتب ، ومن أفواه الرجال الذين من جنسهم ، ورأوا في زعمهم أنهم من أهل اللّه ، بما علموا وأمتازوا به عن العامة ، حجبهم ذلك عن أن يعلموا أن للّه عبادا تولى اللّه تعليمهم في سرائرهم ، بما أنزله في كتبه وعلى ألسنة رسله ، وهو العلم الصحيح عن العالم المعلّم ، الذي لا يشك مؤمن في كمال علمه ، ولا غير مؤمن .