الْوادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يا مُوسى إِنِّي أَنَا اللَّهُ
وقال تعالى
وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيماً
فأكده بالمصدر لرفع الإشكال ، والمطلوب في هذا الطريق كلام اللّه من بين الأشياء لا في الأشياء ، مثل قوله تعالى
فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ
ولا من الأشياء ، وإن كان هو عين وجود الأشياء ، فإنه ليس عين الأشياء ، فالأعيان في الموجودات هيولى لها ، أو أرواح لها ، والوجود ظاهر تلك الأرواح ، وصور تلك الأعيان الهيولانية ، فالوجود كله حق ظاهر ، وباطنه الأشياء ، فالحديث الإلهي من بين الأشياء ، أوضح عند السامع في الدلالة أنه هو المكلّم ، من أن يكلمنا في الأشياء « 1 » .
( ف ح 3 / 56 - كتاب النجاة شرح الإسراء - ف ح 2 / 21 )
واعلم أن أقطاب أهل الليل ، هم أصحاب المعاني المجردة عن المواد المحسوسة والخيالية ، فهم واقفون مع الحق بالحق على الحق ، من غير حد ولا نهاية ووجود ضد ، وهم متباينون في المراتب بحسب الأحوال والمقامات . ( ف ح 1 / 239 )
قول العارف : إن صادقين لا يصطحبان ، إنما يصطحب صادق وصدّيق .
الأمر عند أهل التحقيق في صادق وصديق ، الصادقان يفترقان ، لأنهما مثلان ، والمثلان ضدان ، والضد مدافع ، فلا تنازع ، فالأمر صادق وصديق ، فلابد من تابع ومتبوع ، هذا هو التحقيق ، فالخبر لا يكون أبدا إلا من الأول ، والتصديق لا يكون أبدا إلا من الآخر ، فالصادق للأول أبدا ، والصديق للآخر أبدا ، والأول والآخر إسمان للّه ، ورجال اللّه هم الذين لم يصرفهم خلقهم على الصورة ، عن الفقر والذلة والعبودية ، وإذا وجدوا هذا الأمر الذي اقتضاه خلقهم على الصورة ولابد ، ظهروا به في المواطن التي عيّن الحق لهم أن يظهروا بذلك فيها ، فإن المقرب لا يبقي له القرب والجلوس مع الحق والتحدث معه تعالى ، اسما إلهيا من الأسماء المؤثرة في العالم ، ولا من أسماء التنزيه ، وإنما يدخل عليه بالذلة لشهود عزه ، وبالفقر لشهود غناه ، وبالتهيؤ لنفوذ قدرته ، فينخلع من كل الأسماء التي تعطيه أحكام الصورة التي خلق عليها ، هذا مذهب سادات أهل الطريق ، حتى قالوا في ذلك :
إن صادقين لا يصطحبان ، إنما يصطحب صادق وصديق ؛ ولهذا ما بعث رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بعثا
هامش
( 1 ) راجع محمد عبد الجبار النفري وقول الحق له : يا عبدي الليل لي . . . ؛ . ص 264 .