بما تقتضيه العقول ، مجردة عن الفيض الإلهي ، فالأولى بكل ناصح نفسه الرجوع إلى ما قالته الأنبياء والرسل ، على الوجهين المعقول والمحسوس ، إذ لا دليل للعقل يحيل ما جاءت به الشرائع ، على تأويل مثبتي المحسوس في ذلك والمعقول ، فالإمكان باق حكمه ، والمرجّح موجود ، فبماذا يحيل ؟ وما أحسن قول القائل لهذين البيتين ، فالخسار عليكما ، يريد حيث لم يؤمنوا بظاهر ما جاءتهم به الرسل عليهم السلام ، وقوله : فلست بخاسر ؛ فإني مؤمن أيضا بالأمور المعنوية المعقولة مثلكم ، وزدنا عليكم بأمر آخر لم تؤمنوا أنتم به ، ولم يرد القائل به أنه يشك بقوله « إن صح » وإنما ذلك على مذهبك أيها المخاطب ، وهذا يستعمل مثله كثيرا ، فألزم الإيمان نفسك تربح وتسعد ، إن شاء اللّه تعالى . ( ف ح 1 / 312 )
قول العارف : يا مؤنسي بالليل إذ هجع الورى ومحدثي من بينهم بنهار
وهذا من مقام قاب قوسين ، وهو مقام المعاينة ، وهو مقام يعطي حكمه في الدنيا والآخرة حيث كان ، فمن تحقق به تحقق بقوله صلى اللّه عليه وسلم : ما تجلى اللّه لشيء ثم احتجب عنه ؛ وعلم قوله صلى اللّه عليه وسلم : لي وقت لا يسعني فيه غير ربي ؛ وقوله صلى اللّه عليه وسلم : إن كل مصل يناجي ربه ؛ فأين الوسائط في هذا المقام ؟ وكذلك في الدار الآخرة في الموقف ؟ قال صلى اللّه عليه وسلم : ما منكم من أحد إلا سيكلمه اللّه كفاحا ، ليس بينه وبينه ترجمان ؛ وكذا هو الآن ، غير أن في القيامة يعرف كل أحد أن ربه يكلمه ، وفي الدنيا لا يعرف ذلك إلا العلماء باللّه ، أصحاب العلامات ، فيعرفون كلام اللّه إياهم ، فسبحان من خلقنا أطوارا ، وجعل لنا على علم الغيب والشهادة دليلا ، ليلا ونهارا ، ومن هنا قال العارف :
يا مؤنسي بالليل إذ هجع الورى * ومحدثي من بينهم بنهار
فذكر هذا القائل أن حديثه مع اللّه وحديث اللّه معه ، أنه من بينيتهم ، لا أنه كلمه على ألسنتهم ، والذي لأهل السماع الحديث من الحق في الأشياء ، لا من بين الأشياء ، لأن بينية الأشياء عبارة عن النسب ، وهي أمور عدمية لا وجودية ، فإذا كان الحديث منها « 1 » كان بلا واسطة ، وإذا كان من الأشياء فذلك قوة الفهم عن اللّه ، قال تعالى
نُودِيَ مِنْ شاطِئِ
هامش
( 1 ) الضمير يعود على البينية .