قام عندما رأى جنازة يهودي ، فقيل له : إنها جنازة يهودي ؛ فقال : أليست نفسا ؛ فهذا إعلام بتساوي النفوس في أصلها ، ولذلك ذم هذا العارف من يرى نفسه خيرا من نفس فرعون ، فذمه وأخبر أنه ليس له أن يرى ذلك . ( ف ح 1 / 527 )
قول العارف : اقعد على البساط وإياك والانبساط .
أهل البساط لا يتعدى طرفهم من هم في بساطه ، غير أن البسط كثيرة ، بساط عمل وبساط علم ، وبساط تجل وبساط مراقبة ، فإن كنت في العمل فما ؟ وإن كنت في العلم فبمن ؟ وإن كنت في التجلي فمن ؟ وإن كنت في المراقبة فلمن ؟ وهكذا في كل بساط يكون ، فيقال لك في العمل : ما قصدت ؟ وفي العلم : من هو معلومك ؟ وفي التجلي : من تراه ؟ وفي المراقبة : لمن راقبت ؟ فأنت بحسب جوابك عن هذه الأسئلة ، فأنت محصور بالخطاب ، محصور بالجواب ، فما تشاهد سوى الحال الخاص بك ما دمت في البساط . ( ف ح 4 / 442 )
واعلم أن قول العارف : اقعد على البساط ؛ يريد بساط العبادة ، وإياك والانبساط ؛ أي التزم ما تعطيه حقيقة العبودة ، من حيث أنها مكلفة بأمور حدها لها سيدها ، فإنه لولا تلك الأمور ، لاقتضى مقامها الإدلال والفخر والزهو ، من أجل مقام من هو عبد له ومنزلته ، فما قبض العبيد من الإدلال ، وأن يكونوا في الدنيا مثل ما هم في الآخرة ، إلا التكليف ، فهم في شغل بأوامر سيدهم إلى أن يفرغوا منها ، فإذا لم يبق لهم شغل ، قاموا في مقام الإدلال الذي تقتضيه العبوديّة ، وذلك لا يكون إلا في الدار الآخرة ، فإن التكليف لهم مع الأنفاس في الدار الدنيا ، فكل صاحب إدلال في هذه الدار ، فقد نقص من المعرفة باللّه على قدر إدلاله ، ولا يبلغ درجة غيره ممن ليس له إدلال أبدا ، فإنه فاتته أنفاس كثيرة في حال إدلاله ، غاب عما يجب عليه فيها من التكليف ، الذي يناقض الاشتغال به الإدلال ؛ فليست الدار الدنيا بدار إدلال ، فالأدب يلزمنا ، وبالأدب يكون أصحاب السلطان جلساء من غير انبساط ، لأن الشهود والانبساط لا يجتمعان ، لذلك قال العارف : اقعد على البساط وإياك والانبساط . ( ف ح 1 / 233 - ح 3 / 316 )
واعلم أن العبد باتباع الرسول ، وأعني به الشرع الإلهي ، والوقوف عند حدوده ومراسمه ، بالأدب الذي ينبغي له أن يستعمله في ذلك الاتباع ، يؤثر في الجناب الأقدس