في العبارة عنها ما هو أفصح منها لأطلقها صلى اللّه عليه وسلم ، فإنه المأمور بتبيين ما أنزل به علينا ، ولا نعدل إلى غيرها لما نريده من البيان ، مع التحقق بليس كمثله شيء ، فإنا إذا عدلنا إلى عبارة غيرها ، ادعينا بذلك أنا أعلم بحق اللّه وأنزه من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وهذا أسوأ ما يكون من الأدب ، ثم إن المعنى لابد أن يختل عند السامع ، إذ كان ذلك اللفظ الذي خالفت به لفظ من كان أفصح الناس - وهو رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم والقرآن - لا يدل على ذلك المعنى بحكم المطابقة ، فشرع لنا التأسي ، وغاب هذا المنكر المكفر من أتى بمثل هذا ، عن النظر في هذا كله ، وذلك لأمرين أو لأحدهما ، إن كان عالما فلحسد قام به ، قال تعالى
حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ
وإن كان جاهلا فهو بالنبوة أجهل . . . إلى أن يقول رضي اللّه عنه : وذلك هو طريق الوجه الخاص ، الذي من الحق إلى كل موجود ، ومن ذلك الوجه الخاص تنكشف للأولياء هذه العلوم ، التي تنكر عليهم ويزندقون بها ، ويزندقهم بها ويكفرهم من يؤمن بها إذا جاءته عن الرسل ، وهي العلوم عينها .
ويقول الشيخ الأكبر قدس اللّه سره العزيز في الجزء الأول من الصفحة 250 : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم « العلماء ورثة الأنبياء وأن الأنبياء ما ورثوا دينارا ولا درهما ورثوا العلم » ولما كانت حالته صلى اللّه عليه وسلم في ابتداء أمره صلى اللّه عليه وسلم ، أن اللّه تعالى وفقه لعبادته بملة إبراهيم الخليل عليه السلام ، فكان يخلو بغار حراء يتحنث فيه ، عناية من اللّه سبحانه به صلى اللّه عليه وسلم إلى أن فجأه الحق ، فجاءه الملك فسلم عليه بالرسالة وعرفه بنبوته ، فلما تقررت عنده ، أرسل إلى الناس كافة ، بشيرا ونذيرا وداعيا إلى اللّه بإذنه وسراجا منيرا ، فبلغ الرسالة ، وأدى الأمانة ، ودعا إلى اللّه عز وجل على بصيرة ، فالوارث الكامل منا من انقطع إلى اللّه بشريعة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، إلى أن فتح اللّه له في قلبه في فهم ما أنزل اللّه عز وجل على نبيه ورسوله محمد صلى اللّه عليه وسلم ، بتجل إلهي في باطنه ، فرزقه الفهم في كتابه عز وجل ، وجعله من المحدثين في هذه الأمة ، فقام له هذا مقام الملك الذي جاء إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، ثم رده إلى الخلق يرشدهم إلى صلاح قلوبهم مع اللّه ، ويفرق لهم بين الخواطر المحمودة والمذمومة ، ويبين لهم مقاصد الشرع ، وما ثبت من الأحكام عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وما لم يثبت ، بإعلام من اللّه ، أتاه رحمة من عنده ، وعلمه من لدنه علما ، فيرقي هممهم إلى طلب الأنفس بالمقام الأقدس ، ويرغبهم فيما عند اللّه ، كما فعل