من الأطعمة ، تناول منه بعقله لا بشهوته ، ودفع به سلطان ضرورته ، ثم أمسك عن الفضل ، غناء نفس وشرف همة ، فذلك سيد الوقت فاقتد به . ( ف ح 2 / 187 ، 454 )
قول العارف : آخر ما يخرج من قلوب الصديقين حب الرياسة .
اعلم أنه إن لم تجر أفعالك على مراد غيرك - من شيخ مرشد - لم يصح لك انتقال عن هواك ، ولو جاهدت نفسك عمرك - بما ترتبه عليها وإن صعب - لم تزل عن هواها ، فإنها المرتبة على نفسها ، وإن فتح لها في لطائف المشاهدة وضروب المكاشفة ، لم تزل بذلك عن رعونتها ورياستها ، إلى ما لا يمكن خروجها منه ، إلا بالانقياد إلى طاعة نفس أخرى مثلها ، وتصرفها تحت أمره ونهيه ، وذلك لكثافة حجابها وعظم إشراكها ، حتى ترتقي إلى الأمر على الإطلاق ، ويكون ذلك سلّما لها إليه ، ولذلك قال المحقق : كل عمل لا يكون عن أثر فهو هوى النفس ، وآخر ما يخرج من قلوب الصديقين حبّ الرياسة . ( كتاب مواقع النجوم )
واعلم أن التواضع سر من أسرار اللّه تعالى المخزونة عنده ، الذي لا يهبه على الكمال إلا لنبي أو صدّيق ، فليس كل تواضع تواضعا ، ولا تظن أن هذا التواضع الظاهر على أكثر الناس ، وعلى بعض الصالحين تواضع ، فليس بتواضع وإنما هو تملق لسبب غاب عنك ، وكل يتملق على قدر مطلوبه والمطلوب منه ، فالتواضع شريف لا يتصور من كل أحد ، فإنه موقوف على صاحب التمكين في العلم ، والتحقق في التخلق ، وهو من أعلى مقامات الطريق ، وآخر مقام ينتهي إليه رجال اللّه ، وحقيقته العلم بعبودية النفس ، ولا يصح مع العبودية رياسة أصلا ، ولهذا قال شيخ المشايخ رضي اللّه عنهم : آخر ما يخرج من قلوب الصديقين حب الرياسة ؛ ولا تكون إلا مع الجهل ، وقال عيسى عليه السلام لأصحابه :
أين تنبت الحبة ؟ قالوا : في الأرض ، فقال عليه السلام : كذلك الحكمة ، لا تنبت إلا في قلب مثل الأرض ؛ يشير إلى التواضع ، وإلى هذه الإشارة أشار سيد البشر صلى اللّه عليه وسلم بقوله :
ظهرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه ؛ والينابيع لا تكون إلا في الأرض ، وهو موضع نبع الماء . ( كتاب مواقع النجوم )
والعارفون من أصحاب هذا القول ، ما يقولون ذلك على ما تفهمه العامة من أهل الطريق منهم ، وإنما ذلك على مقصود الكمل من أهل اللّه ، وذلك أن في نفس الإنسان أمورا