تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الرد على ابن تيمية من كلام الشيخ الأكبر — صفحة 374

مساهمون:

ص٣٧٤
المصلحة في عموم خلقه ، لما وقته إلى هذا القدر ، فلا يكون الإنسان في الزيادة عليه ، أعلم بمصالح الجوع في العبد من ربه ، هذا غاية سوء الأدب ، فإن كان ممن يطعم ويسقى في مبيته وفنائه ، ويجد أثر ذلك في قوته وصحة عقله وحفظ مزاجه ، فليواصل ما شاء ، فإنه ليس بصاحب جوع ، وأما جوع الأكابر فجوع اضطرار ، فإن الذي ينتجه الجوع قد حصل لهم ملكة ، لا تزول عنهم في حال جوع ولا شبع ، فلم يبق إلا التقليل ولكن من الحلال ، إما للنشاط في الطاعات ، وإما لخفة الحساب ، فإن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : إنكم لتسئلون عن نعيم هذا اليوم ؛ ولم يكن سوى تمر وماء ، وما أدخل نفسه في الجماعة ، فإن للّه عبادا سليمانيين يقول اللّه لهم
هذا عَطاؤُنا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسابٍ
فينبغي للصالح السالك أن لا يزيد على الحد المشروع ، فيكون متبعا ، فإن ترك العمل بالاتباع أعظم أجرا من العمل بالابتداع ، ولما قال صلى اللّه عليه وسلم : إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم ، فسدوا مجاريه بالجوع والعطش ؛ لم يختلف أحد من العلماء ولا من أهل اللّه ، أنه أراد الصوم ، والتقليل من الطعام في السحور المسنون لمن واصل ، وفي الإفطار لمن أفطر ، فإنه قال : بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه ؛ فلا يتعدى المريد الحد الذي سنه من شرع الطريق إلى اللّه به ، ولا تعرف قدر ما دللتك عليه إلا في نتيجته إن فتح لك هنا ، ولا تجع من غير صوم فإنه غير طريق مشروعة ، ولا تجعل سبب ذلك حديث أجر الصوم ، فذلك ليس لك إنما هو للعمل ، ودع النفس ترغب في الأجرة التي لها على ذلك ، فإن فيها من يطلب ذلك ، وأنت بالسر الإلهي والروح الأمري بمعزل عن هذا الطلب ، الذي تطلبه النفس الحيوانية ، فإنك مجموع ، ولا تلحق بأهل الغلط من أهل هذه الطريق ، الذين يجوعون تلامذتهم من غير صوم ، أو يصومونهم ثم يطعمونهم قبل غروب الشمس ، ذلك غلط منهم وجهل بطريق اللّه تعالى ، وإن كانوا يقصدون بذلك مخالفة النفوس ، فما هذا موضعه ، وإنما ينبغي أن يخالفوها في تعيين المأكول ، على حد مخصوص ووجه معين ، وميزان مستقيم يعرفه أهل اللّه - إذا مالت إلى طعام خاص معين عندها - حتى لا تكره شيئا من نعم اللّه ، وكذلك في التقليل منه ، وهو أشد ما على النفس أن تشرع في الشيء ثم يحال بينها وبين التملي منه ، فالرجل الذي رأى الحق حقا فاتبعه ، وحكم الهوى وقمعه ، فإذا جاع جوع اضطرار ، وحضر بين يديه أشهى ما يكون
الرد على ابن تيمية من كلام الشيخ الأكبر — صفحة 374 | محمود محمود الغراب