صاحب هذا الأمر يطلب وجود قلبه مع ربه في حاله ، فإذا لم يجده في موضع ، يقول : ربما أن اللّه تعالى لم يقدّر أن يظهر إلى قلبي في هذا الموضع ، فيرحل عنه رجاء الحصول ، لما علم أن اللّه تعالى قد رتب أمورا ، واقتضى علمه أزلا أنه لا يكون كذا إلا بموضع كذا ، وبطالع كذا وبسبب كذا ، فلما حكم عليه هذا الإمكان ، وفقد قلبه في بعض المواطن ، عن وجود متقدم أو لا عن وجود ، رحل عن ذلك الموطن رجاء حصول البغية ، وهو وجود قلوبهم مع اللّه ، وقد يفارق بعضهم وطنه لما كان فيه من العزة ، فإذا رأى أنه قد زاد عزا بالزهد والتوبة ، أو لم يكن مذكورا فاشتهر بالتوبة والخير ، فأورثه عزا في قلوب الناس ، فوقع الإقبال عليه بالتعظيم ، فيفر ويغترب عن وطنه إلى مكان لا يعرف فيه ، لمعرفته بنفسه مع ربه ، فإن تعظيم الناس للشخص سم قاتل ، مؤثر فيه أثرا يؤديه إلى الهلاك ، فهذا أيضا من الأسباب المؤدية إلى مفارقة الموطن ، والاغتراب عن الأهل ، فحيث وجد قلبه مع اللّه أقام . ( ف ح 2 / 528 )
واعلم أن للأمكنة في القلوب اللطيفة تأثيرا ، ولو وجد القلب في أي موضع كان الوجود الأعم ، فوجوده بمكة أسنى وأتم ، فكما تتفاضل المنازل الروحانية ، كذلك تتفاضل المنازل الجسمانية ، وإلا فهل الدر مثل الحجر إلا عند صاحب الحال ؟ ! وأما المكمل صاحب المقام ، فإنه يميز بينهما ، كما ميز بينهما الحق ، واعلم أن وجود القلوب في بعض المواطن أكثر من بعض ، من أجل من يعمر ذلك الموضع ، إما في الحال من الملائكة المكرمين ، أو من الجن الصادقين ، وإما من همة من كان يعمره وفقد ، مثل أماكن الصالحين الذين فنوا عن هذه الدار ، وبقيت آثارهم في أماكنهم ، تنفعل لها القلوب اللطيفة ، ولهذا يرجع تفاضل المساجد في وجود القلب ، لا في تضاعف الأجر ، وذلك ليس للتراب ، ولكن لمجالسة الأتراب أو هممهم . ( ف ح 1 / 98 )
قول العارف : فلان على قلب فلان من الأنبياء أو من الملائكة .
وقول العارف : فلان على قدم فلان من الأنبياء أو من الملائكة .
معنى قولهم : إن للّه رجالا على قلب فلان من الأنبياء أو الملائكة ، أي أنهم يتقلبون في المعارف الإلهية تقلب ذلك الشخص ، إذ كانت واردات العلوم الإلهية إنما ترد على