قول بعض أهل الطريق في الفرق بين النبي والولي :
الأنبياء يصرفون الأحوال ، والأولياء تصرفهم الأحوال فالأنبياء مالكون أحوالهم ، والأولياء مملوكون لأحوالهم .
هذه المسألة غلط فيها بعض أهل الطريق بقولهم هذا ، فإن واردات الحق على قلوب الناس على إحدى ثلاث مراتب : منهم من يكون وارده أعظم من القوة التي يكون في نفسه عليها ، فيحكم الوارد عليه ، فيغلب عليه الحال ، فيكون بحكمه يصرفه الحال ، ولا تدبير له في نفسه ما دام في ذلك الحال ، فإن استمر عليه إلى آخر عمره ، فذلك المسمى في هذه الطريقة بالجنون ، كأبي عقال المغربي ، ومنهم من يمسك عقله هناك ، ويبقى عليه عقل حيوانيته ، فيأكل ويشرب ويتصرف من غير تدبير ولا روية ، فهؤلاء يسمون عقلاء المجانين ، لتناولهم العيش الطبيعي كسائر الحيوانات ، وأما مثل أبي عقال فمجنون مأخوذ عنه بالكلية ، ولهذا ما أكل وما شرب من حين أخذ إلى أن مات ، وذلك في مدة أربع سنين بمكة ، فهو مجنون ، أي مستور مطلق عن عالم حسه ، ومنهم من لا يدوم له حكم ذلك الوارد ، فيزول عنه الحال ، فيرجع إلى الناس بعقله ، فيدبر أمره ويعقل ما يقول ويقال له ، ويتصرف عن تدبير وروية مثل كل إنسان ، وذلك هو النبي وأصحاب الأحوال من الأولياء ، ومن هؤلاء من يكون وارده وتجليه مساويا لقوته ، فلا يرى عليه أثر من ذلك حاكم ، لكن يشعر عندما يبصر أن ثمّ أمرا ما طرأ عليه ، شعورا خفيا ، فإنه لابد لهذا أن يصغي إليه - أي إلى الوارد - حتى يأخذ عنه ما جاء به من عند الحق ، فحاله كحال جليسك الذي يكون معك في حديث ، فيأتي شخص آخر في أمر من عند الملك إليه ، فيترك الحديث معك ويصغي إلى ما يقول له ذلك الشخص ، فإذا أوصل إليه ما عنده رجع إليك فحادثك ، فلو لم تبصره عينك ورأيته يصغي إلى أمر ، ما شعرت أن ثمّ أمرا شغله عنك في ذلك ، ومن هؤلاء من تكون قوته أقوى من الوارد ، فإذا أتاه الوارد - وهو معك في حديث - لم تشعر به ، وهو يأخذ من الوارد ما يلقي إليه ، ويأخذ عنك ما تحدثه به أو يحدثك به ، وما ثمّ أمر رابع في واردات الحق على قلوب أهل هذه الطريقة ، فالأحوال تملك الإنسان لابد من ذلك ، وإذا سمعت