تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الرد على ابن تيمية من كلام الشيخ الأكبر — صفحة 366

مساهمون:

ص٣٦٦
بعضهم ، أعني أنكر أن تكون له نتيجة ، وأقر بها بعضهم وسماها الفيض والروح ، لكن عجزوا عن التوصل إليها ، لغلبة الفكر وعدم استعمال العبادات المشروعة على ألسنة الأنبياء عليهم السلام ، وإن كانت لهم عبادات ومناجاة ورهبانية ابتدعوها ، غير أنها لم تقم على ساق التوحيد ، ولا بناء صدق ، فلهذا لم يشموا رائحة من الإلهيات ، ولا كانت لهم منازلات خارجة عن طور العقول ، فإن الهمم تعلقت منهم بما في العالم العلوي ، والعقل الأول ، والنفس الكلية ، والعقول من الأسرار واللطائف ، فوكلهم اللّه تعالى لما اعتقدوه ، وربطهم بما قصدوه ، فحرموا السعادة الأبدية ، والكشف والمشاهدة ، وخالص التوحيد ، فلم يكن لهم تلك الهمة القوية ، وصار الخطاب لهم من خلف وراء حجاب الكون ، فلم يسمعوا منه ، وكيف يسمعون منه وهم محجوبون بما اعتقدوه ؟ !
وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ
ولهذا قال
وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيماً
إشارة إلى فضله على غيره ، بخطاب مخصوص على رفع الحجاب ، لم يسمعه من ذلك المقام غيره ، فإذا تبين أن المنازلات إنما تحصل بامتثال أمور الشرع على أتم الوجوه ، وتجريد التوحيد ، والدخول في الحضرات بأوصافك لا بأوصافه ، والتلقي منه بما يناسب الصورة المقدسة منك ، فينبغي لك إن كنت عاقلا أن تتجرد لهذا الطلب على هذا الحد . واعلم أن صاحب الكتاب - كاليهودي والنصراني - إذا وفّى أمر كتابه الذي أنزل عليه ، قبل نسخه بشرعنا ، وتجرد كما وصفه أهل طريقنا ، أدرك من هذه المنازلات والواردات ما شاء اللّه ، بخلاف من عبد عقله ، واتبع رأيه ، وإن ركب أعظم المشقات في ذلك ، لأنهم اتخذوا قربة ما لم يجعلها اللّه قربة ، بل شرعوا ذلك على حسب ما تعطيه حقيقة الذي يطلبون منه ، أعني الوسائط الذين نصبوهم شركاء للّه تعالى ، كالكواكب وغيرها ، فتوسلوا إليها بأذكار ودعوات تعطيها حقائقهم ، دلتهم عليها العادات ، وما ربط اللّه فيها من الحكم ، فمنهم من عبد الملائكة ، لما كانت عندهم أقرب إلى اللّه تعالى ، بمنزلة الوزراء من الملوك ، فقاسوا فأخطؤوا ، وفكروا فما أصابوا ، وللّه في خلقه مكر خفي واستدراج لطيف ، قال اللّه تعالى
وَمَكَرْنا مَكْراً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ
وقال تعالى
سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ