فكل ذكري إلى صلاح * وبعض فكري إلى فساد
فأنفع العلم علم فقري * للسيد الواهب الجواد
اعلم أيدك اللّه وإيانا ، أن المنازلة فعل فاعلين : وهي تنزل من اثنين ، كل واحد يطلب الآخر لينزل عليه أو به ، كيف شئت فقل ، فيجتمعان في الطريق في موضع معين ، فتسمى تلك منازلة ، لهذا الطلب من كل واحد ، وهذا النزول على الحقيقة من العبد صعود ، وإنما سميناه نزولا ، لكونه يطلب بذلك الصعود النزول بالحق ، قال تعالى
إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ
فهو براقه الذي يسري به إليه ، وينزل به عليه ، من حيث أن العبد ذو عمل من الأعمال ، لأنه لابد أن يكون في عمل مشروع صالح ، وهو الذي يصعد به ، فإنه براقه لأنه محمول ، فيتلقاه من اللّه من حيث ذلك العمل بالبر الذي عينه اللّه لمن جاء به ، وهو مقدار معلوم ، ويقول الحق تعالى في حق نفسه ، على ما ذكره رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فقال : ينزل ربنا إلى السماء الدنيا كل ليلة ؛ - الحديث بطوله - فوصفه بالنزول إلينا ، فهذا نزول حق لخلق ، ومنا نزول خلق لحق .
( ف ح 2 / 523 ، 540 ، 523 )
ولا يشهد النازل في المنازلات الخطابية إلا صورا ، عنها يأخذ ما تترجم له عنه من الحقائق والأسرار ، وهي ألسنة الفهوانية ، فسر المنزل والمنازل ، هو ظهور الحق بالتجلي في صور كل ما سواه ، وحد المنازلات من العماء إلى الأرض وما بينهما ، فمهما فارقت الصورة العماء ، وفارقت الصورة الإنسانية الباطنة الأرض ، ثم التقتا ، فتلك المنازلة ، فإن وصلت إلى العماء ، أو جاءها الأمر إلى الأرض ، فذلك نزول لا منازلة ، والمحل الذي وقع فيه الاجتماع منزل ، وتسمى هذه الحضرة التي منها يكون الخطاب الإلهي لمن شاء من عباده ، حضرة اللسن ، ومنها كلم اللّه تعالى موسى عليه السلام
وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ
( ف ح 3 / 524 - ح 1 / 188 - ح 3 / 524 )
فالمنازلة يلتقي فيها الحق النازل والخلق الصاعد ، فيقول الحق للصاعد : إلى أين ؟
فيقول : إليك ؛ ويقول الخلق للنازل : إلى أين ؟ فيقول : إليك ؛ فيقول : قد التقينا ، فتعال