العارف : والهمم للوصول ؛ أي أنها عليها يوصل إلى المطلوب ، فإن سيرها ينتهي إلى المكانة ، التي ينعدم فيها الاسم ويضمحل فيها الرسم ، فالهمم هي مطايا العلوم واللطائف الإنسانية ، لأن بها يبلغ المقصود ، إذ لا يصح وصول من غير سلوك ، فإنه لا وصول ، والتوجه الصدق لا يحصل بالتمني - اسلك تصل .
( ف ح 1 / 112 - ح 4 / 92 - ح 1 / 112 - شرح الإسراء - ف ح 1 / 112 - ذخائر الأعلاق )
لذلك قال رضي اللّه عنه في الفناء : فناء من لم يكن ، وبقاء من لم يزل .
هذا الكلام من مقام الإحسان ، وهو قوله صلى اللّه عليه وسلم : أن تعبد اللّه كأنك تراه ، فإن لم تكن تراه فهو يراك ؛ ويتعلق باصطلاح الصوفية في الفناء والبقاء ، وما يترتب على ذلك من اللذة في المشاهدة أو عدمها .
فاعلم أن الحقيقة الإلهية تتعالى أن تشهد بالعين ، التي ينبغي لها أن تشهد ، وللكون أثر في عين المشاهد ، فإذا فني من لم يكن ، وهو فان ، ويبقى من لم يزل ، وهو باق ، حينئذ تطلع شمس البرهان لإدراك العيان ، فيقع التنزه المطلق المحقّق في الجمال المطلق ، وذلك عين الجمع والوجود ومقام السكون والجمود ، وهذا الفن من الكشف والعلم ، يجب ستره عن أكثر الخلق ، لما فيه من العلو ، فغوره بعيد ، والتلف فيه قريب ، فإن من لا معرفة له بالحقائق ، ولا بامتداد الرقائق ، ويقف على هذا المشهد من لسان صاحبه المتحقق به ، وهو لم يذقه ، ربما قال : أنا من أهوى ومن اهوى أنا ؛ فلهذا نستره ونكتمه ، ومنزل الفناء هو طلوع الشمس ، وله مرتبة الإحسان الذي يراك به « 1 » ، لا الإحسان الذي تراه به ، قال جبريل عليه السلام للنبي صلى اللّه عليه وسلم : ما الإحسان ؟ قال : أن تعبد اللّه كأنك تراه ؛ وأشار لأهل الإشارات بقوله : فإن لم تكن تراه ؛ أي رؤيته لا تكون إلا بفنائك عنك ، وأثبت الألف من تراه ، لأجل ظهوره لتعلق الرؤية ، إذ لو حذفها وقال : فإن لم تكن تره ؛ لم يصح الرؤية ، فإن الهاء من تراه كناية عن الغائب « 2 » ، والغائب لا يرى والألف محذوفة ، فكان يرى بلا رؤية ، هذا لا
هامش
( 1 ) قال تعالىوَأَحْسِنْ كَما أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَفنسب تعالى إلى نفسه الإحسان ، فلا يحسن اللّه تعالى إلى عبده ، إلا وهو يعلمه ويراه ، فالإحسان منه تعالى مع الرؤية ، والإحسان من العبد كأنه يراه .
( 2 ) إشارة إلى الهاء وهو ضمير الغائب .