لظهور أعيانها ، فهذا أعلى الاستنادات وأعلى المستندات إليها ، ومن هنا يعرف ما تخبط فيه الناس من تفضيل الفقر على الغنى والغنى على الفقر ، والخوض في هذه المسألة من الفضول الذي في العالم ، والجهل القائم به ، فإن الحالات تختلف والمنازل تختلف ، وكل حال كمالها في وجود عينها ، فاللّه يقول
أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ
فما تركت هذه الآية لأحد طريقا إلى الخوض في الفضول ، لمن فهمها وتحقق بها ، غير أن الفضول أيضا من خلق اللّه ، فقد أعطى اللّه الفضول خلقه
ثُمَّ هَدى
أي بيّن أن من قام به الفضول فهو المعبر عنه ، بالمشتغل بما لا يعنيه وجهله بالأمر الذي يعنيه ، والفقر في عينه كامل الخلق ، لا قدم له في الغنى ، والغنى في حاله كامل الخلق ، لا قدم له في الفقر ، ولو تداخلت الأمور لكان الفقر عين الغنى ، والغنى عين الفقر ، إذ كان كل واحد منهما من مقومات صاحبه ، والضد لا يكون عين الضد وإن اجتمعا في أمر ما ، فلا يجتمع الغنى والفقر أبدا ، فليس للفقر منزلة عند اللّه في وجوده ، وليس للغنى منزلة عند العبد في وجوده ، فكما لا يقال اللّه أفضل من الخلق ، أو الخلق كذلك ، لا يقال الغنى أفضل من الفقر ، أو الفقر أفضل من الغنى ، فالفقر صفة الخلق ، والغنى صفة الحق ، والمفاضلة لا تصح إلا فيمن يجمعهما جنس واحد ، ولا جامع بين الحق والخلق ، فلا مفاضلة بين الغنى والفقر ، قال تعالى في الغنى
فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ
وقال في الفقر
يا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ
فمن قال بعد علمه بهذا : الغنى أفضل من الفقر أم الفقر أفضل ؟ كان كمن قال : من أفضل اللّه أم الخلق ؟ وكفى بهذا جهلا من قائله ، وأما الذي بأيدي الناس الذي يسمونه غنى ، فكيف يكون غنى وأنت فقير إليه ، غير مستغن في غناك عن غناك ؟ ! فغناك عين فقرك ، وهذا على الحقيقة لا يسمى غنى ، فكيف تقع المفاضلة ما بين ما له وجود حقيقي وهو الفقر ، وبين ما ليس له وجود حقيقي وهو غناك ، وإذا سمي الإنسان غنيا ، فهو عبارة عن وجود السبب المؤثر عنده فيما له فيه غرض في الوقت ، فيكون بذلك السبب غنيا فيما يفتقر إليه لوجوده به ، فهو الفقير الذاتي في غناه العرضي ، وإذا لم يكن عنده وجود السبب المؤثر فيما افتقر إليه ، سمي فقيرا من غير غنى ، فالفقر له في الحالين معا ، لأن ذاته له في الحالين معا ، والأمر إذا كان على هذا ، فطلب المفاضلة جهل بين الوصف الحقيقي والإضافي العرضي .
( ف ح 2 / 654 )