فلم يكن في نفسه سوى ما خرج إليه ، فلما أبصر حاجته وهي النار ، التي لاحت له من الشجرة من جانب الطور الأيمن ، ناداه الحق من عين حاجته بما يناسب الوقت
إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً ، وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِما يُوحى
ولم يقل لما أوحي
إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ
فثبته الخطاب الأول بالنداء ، لأنه خرج على أن يقتبس نارا ، أو يجد على النار هدى ، وهو قوله
لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِخَبَرٍ
أي من يدله على حاجته ، فكان منتظرا للنداء ، قد هيأ سمعه وبصره لرؤية النار ، وسمعه لمن يدله عليها ، فلما جاءه النداء بأمر مناسب لم ينكره وثبت ، فلما علم أن المنادي ربه ، وقد صح له الثبوت ، وجاءه النداء من خارج لا من نفسه ، ثبت ليوفي الأدب حقه في الاستماع ، فإنه لكل نوع من التجلي حكم ، وحكم نداء هذا التجلي التهيؤ لسماع ما يأتي به ، فلم يصعق ولا غاب عن شهوده ، فإنه خطاب مقيد بجهة ، مسموع بأذن ، وخطاب تفصيلي ، فالمثبت للإنسان على حسه وشهود محسوسه ، قلبه المدبر لجسده ، ولم يكن لهذا الكلام الإلهي الموسوي توجه على القلب ، فليس للقلب هنا إلا ما يتلقاه من سمعه وبصره وقواه ، حسبما جرت به العادة ، فلم يتعد الحال حكمه في موسى عليه السلام ، وأما أمر محمد صلى اللّه عليه وسلم ، فهو نزول قلبي ، وخطاب إجمالي كسلسلة على صفوان ، فاشتغل القلب بما نزل إليه ليتلقاه ، فغاب عن تدبير بدنه ، فسمي ذلك غشيا وصعقا ، وكذلك الملائكة ، أخبر النبي صلى اللّه عليه وسلم عن الملائكة في طريان هذا الحال ، أنه إذا كان الوحي المتكلم به كسلسلة على صفوان ، وكان نزوله على قلوب الملائكة ، فإنه قال
حَتَّى إِذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ
ثمّ لمّا أفاقوا أخبر عنهم بأنهم يقولون
ما ذا
وهنا وقف ، ثم يجيبهم فيقول
رَبُّكُمْ
وهنا وقف ، فيقولون
الْحَقَّ
بالنصب ، أي قال الحق ، كذا علمناه
وَهُوَ الْعَلِيُّ
عن هذا النزول في هذا النزول
الْكَبِيرُ
عن هذا التشبيه في هذه النسبة ، وعلى الوجه الآخر
قالُوا ما ذا قالَ رَبُّكُمْ
وهنا وقف ، فيقول بعضهم لبعض
الْحَقَّ
وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ
من قول اللّه لا من قول الملائكة ، فعلى الوجه الأول ، لما أفاقوا وزال الخطاب الإجمالي المشبه ، وزالت البديهة قالوا
ما ذا
فقال لهم
رَبُّكُمْ
وهو قوله
قالَ رَبُّكُمْ
فما صعقوا عند هذا القول ، بل ثبتوا وقالوا
الْحَقَّ
أي قال الحق ، أي قال ربنا القول الحق ، يعنون ما فهموه من الوحي ، أو قوله
قالَ رَبُّكُمْ
أو هما معا وهو