سلسلة على صفوان تصعق الملائكة ، ورسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كان إذا نزل عليه الوحي كسلسلة على صفوان يصعق ، وهو أشد الوحي عليه ، فينزل جبريل به على قلبه فيفنى عن عالم الحس ، ويرغو ويسجّى إلى أن يسرّى عنه ، وإنه لينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد فيتفصد جبينه عرقا ، وموسى صلى اللّه عليه وسلم كلمه اللّه تكليما بارتفاع الوسائط ، وما صعق ولا زال عن حسه ، وقال وقيل له ، وهذا المقام أعظم من مقام الوحي بوساطة الملك ، فهذا الملك يصعق عند الكلام ، وهذا أكرم البشر يصعق عند نزول الروح بالوحي ، وهذا موسى لم يصعق ، ولا جرى عليه شيء مع ارتفاع الوسائط ، وصعق لذلك الجبل ، فاعلم أن هذا كله من آثار الحجب ، فإن الحكم لها حيث ظهرت ، فإن اللّه لما خلقها حجبا لم يمكن إلا أن تحجب ولا بد ، فلو لم تحجب لما كانت حجبا ، وخلق اللّه هذه الحجب على نوعين : معنوية ومادية ، وخلق المادية على نوعين : كثيفة ولطيفة وشفافة ، فالكثيفة لا يدرك البصر سواها ، واللطيفة يدرك البصر ما فيها وما وراءها ، والشفافة يدرك البصر ما وراءها ويحصل له الالتباس إذا أدرك ما فيها ، فما في الوجود إلا حجب مسدلة ، والإدراكات متعلقها الحجب ، ولها الأثر في صاحب العين المدرك لها ، وأعظم الحجب حجابان ، حجاب معنوي وهو الجهل ، وحجاب حسي وهو أنت على نفسك ، فأما الحجاب الأعظم المعنوي ، فقول رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لما أسري به في شجرة فيها وكرا طائر ، فقعد جبريل في الوكر الواحد ، وقعد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في الآخر ، فلما وصلا إلى السماء الدنيا ، تدلى إليهما شبه الرفرف درا وياقوتا ، وكان ذلك نوعا من تجلي الحق ، قال عليه السلام : فأما جبريل فغشي عليه لعلمه بما تدلى إليه ؛ وأما رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فبقي على حاله لكونه ما علم ما هو ، فلم يكن له سلطان عليه ، فلما أخبره جبريل عندما أفاق أنه الحق ، قال صلى اللّه عليه وسلم عند ذلك : فعلمت فضله - يعني فضل جبريل - عليّ في العلم ؛ فالعلم أصعق جبريل ، وعدم العلم أبقى النبي صلى اللّه عليه وسلم على حاله ، مع وجود الرؤية من الشخصين ، فهذا أعظم الحجب المعنوية . ( ف ح 3 / 214 )
أما موسى عليه السلام ، فكان قد استفرغه طلب النار لأهله ، وهو الذي أخرجه لما أمر به من السعي على العيال ، والأنبياء أشد الناس مطالبة لأنفسهم للقيام بأوامر الحق ،
الرد على ابن تيمية من كلام الشيخ الأكبر — صفحة 330
مساهمون: محمود محمود الغراب
ص٣٣٠