تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الرد على ابن تيمية من كلام الشيخ الأكبر — صفحة 327

مساهمون:

ص٣٢٧
وقال بعض الحاضرين لأبي مدين : ما معنى سر السر وحقيقة الحقيقة ؟ فقال : هو محل الأسرار ، وعند حقيقته عجزت الأوهام والأفكار ، وطاشت عقول ذوي الأبصار ، إذ العقول لا تعدو طورها ، ولا تعرف حدها ، جهل ذلك من جهله ، وعلمه من علمه ، فلا يدرك الحق إلا الحق ، ولا يعرف الحق إلا بالحق ، فهذه خلقي وخليقتي ، وعلى هذا انطوت حقيقتي ، فالتشوق إلى هذا مما لا يدرك ، والخوض فيه واجب أن يترك ، فقال له السائل ، أسألك عن التوحيد ما هو ؟ فقال : التوحيد همتي ، وهو شريعتي وسنتي ، التوحيد هو الغاية القصوى ، والملجأ والمأوى ، هو الأساس الذي قام به الوجود ، وعليه فطرة كل مولود ، لكن الناس فيه على مراتب ، فمنهم القريب ومنهم الصاحب ، فالرتبة العليا هي الترقي من الأسماء والصفات ، إلى توحيد الذات ، هناك أفنيت عمري ، وأتعبت خاطري وفكري ، إلى أن نلت منه المعنى ، ولا حظت ذاك الجمال الأسنى ، وذلك بمنّ اللّه سبحانه ابتداء وانتها ،
ما يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَها
ثم قال : عمّرت سري بك فأحييتني ، وعما سواك أبعدتني ، وبك عن الكونين أثنيتني ، وبالفضل منك ألهمتني ، فأنا الفقير وأنت الغني . ثم قال للسائل : اسمع ، مخلوقاته بعز كبريائه مذلولة ، والأشياء كلها من العرش إلى الثرى معلولة ، إذ هو سبحانه مذلها بالقهر ، وقاهرها بالأمر ، ومصرفها بقدرته فيما نفع وضر ، قدرته في الثرى ، كقدرته في العرش والسما
وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ
أحاط بكل شيء علما ، وأحصى كل شيء عددا ،
هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْباطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ
على العرش استوى ، وهو خالق العرش والثرى ، وما بينهما ، فالكل قائم به ، وممسوك بقدرته ولطفه ، وما من ذرة فما فوقها إلا وهو معها معية ليست بحلول وانتقال ، ولا تغير ولا زوال ، فالمخلوقات بأسرها ظل ، وهو سبحانه وتعالى حقيقة الكل . فقال أبو طالب للشيخ أبي مدين : أخبرني عن سر حياتك ، فقال أبو مدين : بسر حياته ظهرت حياتي ، وبنور صفاته استنارت صفاتي ، وفي توحيده أفنيت همتي ، وبديموميّته دامت محبتي ، فسر التوحيد في قوله لا إله إلا اللّه ، أنا والوجود بأسره حرف جاء لمعنى ، فبالمعاني ظهرت الحروف ، وبصفاته اتصف كل موصوف ، وبائتلافه ائتلف كل مألوف ، فمصنوعاته محكمة ، ومخلوقاته مسلمة ، لأنه صانعها ومظهرها ، منه مبدؤها وإليه مرجعها ،