يا شيخ قربت مني * حتى كأنك أني
ناديت سرك سرا * إياك إياك أعني
وكنت أنت بمعناك * فكنت بالمعنى مني
فجاوبه الشيخ فقال :
سبحانك سبحانك أدنيتني * منك فأفنيتني عني
بحق حقك يا حق * بحق جودك صلني
فأنت أقصى مناي * يا غاية المتمني
فناداه الحق : بي قل ، وعليّ دلّ ، فأنا الكل .
فقال الحاضرون لأبي مدين : عد علينا من كلامك في التوحيد ، فقال : التوحيد وطن العارفين وبه تاهوا ، وليس لهم مستقر إلا هو ، هو حياة أسرارهم ومادة القلوب ، وكل كليتهم وغيب الغيوب ، هو السيد المتبوع وما عداه تبع ، والقائم بنفسه وقوّام من صنع ، هو مجري لأسرارهم ، وأسرارهم جداوله ، وموضع نظر العارف فيما يأتيه ويحاوله ، علت همته فسما ، فمن سقط عن هذه المرتبة فهو معمّى عليه وأعمى ، وللعارف من معروفه دلائل وروائح ، يظهر طيب نسيمها للغادي والرائح ، يشم فيها أنوار التنزيه ، ويكشف له عن غيبه فيجده فيه ، فتلاشت أحواله وسماته ، وفنيت رسومه وصفاته ، فلا قول ولا قائل ، إذ كل ما سواه عدم وزائل ، هو أصل كل شيء ومادته ، وبه حياة كل حي وحركته ، هو الرفيق الجليل ، وقدرته عمّت الكثير والقليل ، فلذة العارف من معروفه في التحلي ، وصفاته ظاهرة بالتبري والتخلي ، يقرى عن الكونين أدناها وأعلاها ، ولم يرض بشيء منها دون من سوّاها ، فسره من الغيب مظهر ، وللعلوم مكاشف ومظهر ، قلبه في حضرة مالكه يسري ، وفكرته في ميادين المعارف تجري ، فتوحاته منه إليه دائمة ، وحقيقته عما سواه صائمة ، غذاؤه من التوحيد الدقيق ، وشرابه من الصافي الرقيق ، قد خامر سره فأمعن فيه ، فظل عند ربه يطعمه ويسقيه .
فقال الحاضرون لأبي مدين : قل لنا في التوحيد شيئا ، فقال أبو مدين : التوحيد همة المرسلين والنبيين ، وهو سر الخلفاء الصدّيقين ، وقطب الورثة من العارفين ، به حنت