تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الرد على ابن تيمية من كلام الشيخ الأكبر — صفحة 325

مساهمون:

ص٣٢٥
أسرارهم إلى الحضرة الإلهية ، وبه انكشفت لهم الأمور الربانية ، فأمدهم بالحياة والقيومية ، وأظهر لهم أسرارا لا تكاد تطيقها الأرواح البشرية ، منها السر القائم بالوجود ، الذي منه بدأ وإليه يعود ، ووراء ذلك أسرار لا ينبغي بثها ، ولا يليق بالعارف كشفها ، إذ هي أسرار إذا طالعها اضمحلت رسومه ، وتلاشت أفكاره وعلومه ، وفني ما هو محصور مقيد ، وبقي الواحد الفرد الصمد ، فالعارف المحقق الذي يسير بسيره ، ولم يكن له في قلبه متسع لغيره ، هو قلبه وحياته ، وبه حسنت أخلاقه وصفاته ، فكثيفه ظاهر لكل كثيف ، ولطيفه يلاحظ أسرار اللطيف ، فتوحيد العارفين محض التحقيق ، والقصد القصد بلا تخليق « 1 » ، ففي التخليق فناء العمر ، وفي القصد الوصول والظفر ، فالعارف مقيم بين الخلق بجسمه ، ومسافر إلى جمال الحضرة العلية بسره ، فثمرة هذا التوحيد منالة بالسفر ، فبه تشرفوا وتنعموا ، وإليه الإشارة بقوله عليه السلام سافروا تصحوا وتغنموا ، فغنيمة العارف تظهر عليه بالصفات والنعوت ، إن اختبرته وجدته باللّه قائل ، وإن تحققته ألفيته مع سيده كالميت بين يدي الغاسل . فقال بعضهم لأبي مدين : ما معنى الوصول ؟ فقال : إذا دلك به عليه ، كنت منه وإليه ، وإذا أفناك عن الإحساس ، كنت في حضرة الإيناس ، وإذا كاشفك بحبه ، لم تتلذذ إلا بقربه ، وإذا غيّبك عن شهودك ، تجلى لك من وجودك . فقال بعض الصوفية للشيخ أبي مدين : أخبرنا عن شيء مما خصك به الحق من العلم ، فقال لهم : بالعلم الباقي ، أضاء سري وحسنت أخلاقي ، فعلم اللّه صفة ذاته ، فكل ما عرف منه سبحانه معروف ، والصفة لا تفارق الموصوف ، فما ثبت في الوجود منه فبإمداده ، وما فهموا عنه فبإرشاده ، فكل علم سواه بالإضافة إليه مذموم ، وإنما يشرف العلم بشرف المعلوم ، فانظر ما علمك وماذا ؟ فمن هناك تجازى وتنادى ، فخير العلم ما وصلك إلى المعلوم ، وعند مشاهدة الحق تضمحل الرسوم ، ويتجلى إذ ذاك الحي القيوم ، فمن رقى عن المحسوسات نال الغيوب ، ومن قهقر عندها فهو محجوب ، فالعارف أبدا يرقى ، ودقائق الإشارات واللطائف يتلقى ، ليس له التفات إلى ذيت وذيت ، ولا يقنع من
هامش
( 1 ) التخليق والخلاق النصيب الوافر ، والمقصود هنا القصد وعدم التوسع والتزيد .