البيت إلا برب البيت ، فهو أبدا في التنزيه والمشاهدة ، يرفع عن الأغيار والمكابدة ، ملاحظ ذلك الجمال الأبدي ، متلذذ بمشاهدة الملك العليّ . ثم قال الشيخ : مقامي مقام العبودية ، وعلومي العلوم الإلهية ، وصفاتي مستمدة من الصفات الربانية ، بها عمّر فكري ، وهي غذاء لسري وجهري ، فعلمي باللّه متصل ، وعن كل من سواه منفصل ، اتصاله بحضرة قدسه ، ومسرحه في رياض أنسه ، فبالعلم باللّه وذاته وصفاته نلت الجاه ، ومعلومي هو اللّه ، عظمته ملأت حقيقتي وسري ، ونوره أضاء به بري وبحري ، فمن أحياه فهو الحي ، ومن أماته عنه في ظلمة الغي ، إذ المقرب به عظيم ، ولا يسمو إلا من أتى اللّه بقلب سليم ، فالقلب السليم هو الذي سلم مما سواه ، ولا يكون في الوعاء إلا ما جعل فيه مولاه ، فقلب العارف يسرح في الملكوت بلا شك ولا ارتياب ، وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب ، فالجبال بقدرته سيّرها ، ويصنعه الجميل أتقنها ، فكلامه العزيز لصدور أوليائه شفا ، وهو سبحانه لشدة ظهوره خفا .
ورأى بعض أصحاب أبي مدين الشيخ في واقعة ، وهو في قبة من نور ، وقد أحدق المريدون بتلك القبة وهم لا يرونه ، فخاطبهم من باطن القبة ، فقال لهم من عنده : من يراني به فليرني ، فقال له بعض الحاضرين : إني أراك ، فقال : بم رأيتني ؟ فقال له : أمد نورك نوري فرأيتك ، فقال عند ذلك الشيخ : لا يرى صدّيقا إلا صدّيق ، ولا نبيا إلا نبي ، ولا رسولا إلا رسول ، ولا ملكا إلا ملك ، فالمحسوسات لا معنى لها في نفسها ، إذ هي المستمدة من غيرها ، والوقوف مع الأجسام قصور وعي ، ولا يرى من ليس كمثله شيء ، فالمحسوسات إنما تواجه من له مكان وجهة ، واللّه سبحانه وتعالى عز أن يرى بهذه الصفة ، فنحن في هذه الدار الفانية ، كمثل قواديس السانية ، وأصل الرؤية قوة الإيمان ، ويقدر ما يصحب كل أحد منه يكون العيان ، إذ الحق سبحانه لا يحويه حجاب ، تعالى عن ذلك رب الأرباب ، والحجب صفة البشر ، وبقوة أسرار القلوب وضعفها يكون النظر ، ففي بدائع صنع اللّه ما تعجز الأوهام عن وصفه ، وتكّل الأفكار عن الإحاطة بكنه علمه ، فالأرضون وما منها ظلمات ، وإنما أضاءت بنور السماوات ، فما من أرض إلا ولها سماء ، تحييها بما تنزل عليها من الماء .
الرد على ابن تيمية من كلام الشيخ الأكبر — صفحة 326
مساهمون: محمود محمود الغراب
ص٣٢٦