تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الرد على ابن تيمية من كلام الشيخ الأكبر — صفحة 323

مساهمون:

ص٣٢٣
فسأل بعض الصوفية الشيخ أبا مدين عن همته ، فقال : همتي به متعلقة ، وحقيقتي بنور جلاله مشرقة ، حضرته موضع أنسي ، وملاحظة جماله عمرت حسي ، فالمحسوسات متحركة بأمر الأمر ، والأمر صادر عن حكم القادر ، فأحكامه سبحانه جارية على وفق سابقته في خلقه ، وعلى حكم ما قدره في الأزل ، لا يتغير ولا يتبدل ، فكل ناطق به نطق ، وكل سامع به سمع ، وكل بصير به أبصر ، وكل باطش به بطش ، فكل الحركات والسكنات له شاهدة ، وما أمره فيها إلا واحدة ، فاختراعه للوجود من العدم تذكرة وبيان ، ورحمة منه وفضل وامتنان ، وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان . ثم قال : اسمع ، ليس الإنسان إلا أن يصفّي قلبه ، ويعلق خاطره ويحضر لبه ، فيعثر على قول سيد البشر صلى اللّه عليه وسلم من عرف نفسه عرف ربه ، فهذا أقصى درجات السر والعلن ، وإليه الإشارات من جانب الطور الأيمن ، فإذا صحت هذه المعرفة وصلت إلى المعروف ، وإذا نظرت إلى غير هذا كنت المحيّر المتلوف ، فهذه فروع تعرب لك عن أصولها ، وجمل تنزل بك على فصولها ، وتقرع سمعك بأطنابها ، وأتوا البيوت من أبوابها ، فإتيان البيوت من أبوابها واجب ، والخلق حول البيت محجوب وغائب ، فمن شأنه سبحانه ظهور الأسباب ، وكل ما سواه - جلّت قدرته - حجاب ، فكل من كشف له هذا الغطاء ، فقد أجزل له في العطاء ، ثم قال رضي اللّه عنه : يا من هو سري ، ويا من هو جهري ، ويا من به نفعي ، ويا من به ضري ، ويا من به أقيم ، ويا من به أسري ، فامنن علي بقرب تلم به فقري . ورأى بعض الفقراء في واقعته الحق تعالى وهو يقول لأبي مدين : مادة سرك بسنا نوري ، وغذاء روحك برؤيتي وسروري ، وقلبك موضع عظمتي وجبروتي ، هي أحوال مني اقتبستها ولي رددتها ، فأنت بي ولي صرف ، يا أبا مدين جاوز نظر الناظرين نظرك ، وتعلق بي فكرك ، فلما قدرتني قدري كنت سمعك وبصرك ، وعرفتك بي فعرفتني ، ونزهت سرك عن سواي فنزهتني ، فأنت ظاهر وباطن بي ولي ، فقال أبو مدين : سبحانك سبحانك ، اللهم أدم فضلك ، عجزت الأوهام عن وصف وصفك ، وامتلأت الأسرار أنسا بذكرك ، ثنائي ثناؤك وأمري أمرك ، فواصل اللهم نوري بنورك ، فلا يقتبس الفضل منك إلا بك . فقال الحق للشيخ أبي مدين :