إلى سبب من الأسباب ، نوديت اذكر ربك لا تذكر الأسباب ، فالتوحيد يجلي كل ظلمة ، وهو الرافع لكل ذي همة ، هو القطب الذي عليه المدار ، وبه أشرق الوجود واستنار ، ثم قال أبو حامد : ما هي مادة اللّه في الوجود ؟ فقال : مادة اللّه في الوجود تسري ، وعلى ما سبقت به المقادير تجري ، قد سترها الغيب ، فهي منزهة عن النقص والعيب ، فقد أخفاها اللّه سبحانه عن الكائن والبائن ، وجف القلم بما هو كائن ، فسترها عن خلقه من وجوه الرحمة والعطف ، وتغيّبها عنهم من كمال الجود واللطف .
فقدم لهم صحفة فيها ثريد فأكلوا ، ثم حمدوا وأثنوا ، ثم قال أبو حامد : يا أبا مدين نحب غذاء الروح ، فقال لهم : سلوا عما شئتم ، فقالوا له : نسألك عن حقيقة سرك ، فقال لهم : سري مسرور بأسرار تستمد من البحار الإلهية ، الأبدية الأزلية ، التي لا ينبغي كشفها ، ولا يجوز بثها لغير أهلها ، إذ العبارة والإشارة تعجز عن دركها ، وأبت الغيرة إلا سترها ، هي البحار المحيطة بالوجود ، لا يلجها إلا من وطنه مفقود ، وفي عالم الحقيقة بسره موجود ، يتقلب بالحياة الأبدية ، وينطق بالعلوم الأزلية ، فهو بجسمه ظاهر ، وبسر حقيقته ظافر ، يطير في عالم الملكوت ، ويسرح في عالم الجبروت ، تخلق بالأسماء والصفات ، وفني عنها بمشاهدة الذات ، هناك قراري ووطني ، وقرة عيني وسكني ، به دوام فرحي ، وهو علانيتي وسري ، والممد لوجودي ، ومالكي ومعبودي ، أظهر في وجودي قدرته ، ورتب في بدائع صنعه حكمته ، فهو الباطن الظاهر ، الملك القاهر ، فمن رقت همته عن ملاحظة نفسه ، لم يلتفت إلى غده وأمسه ، وإنما هو ابن وقته ، بالحق سبحانه يجري علمه أفعاله ، وهو راض به مسرور إذ لم يكن شيئا مذكورا ، فمن نزّه أقواله وأفعاله ، فقد صفّى همته وأحواله ، فمن كان نطقه به يصول ، وكان هو دليله فقد نال الوصول ، ومن حقق نظره به يسمع وبه يقول ، ويسمع عنه ، ويسأل به منه ، إذ الوجود كله فاني ، والباقي فيه المعاني ، به كل شيء يعرف ، ولولاه لم يفهم ولم يوصف ، فهو المظهر سبحانه للأكوان ، ومسر السرائر ومظهر الإعلان ، فرحمته لخلقه عامة ، ونعمته لهم شاملة تامة ، فهم فيها يغدون ويروحون ، وبإسباغها عليهم ظاهرة وباطنة يتنعمون ، فكل شيء بجملتها يشهد له بالوحدانية ، ويقر له بالحدوث والعبودية ، هو سبحانه منطّقها بكرمه ومجده ، وإن من شيء إلا يسبح بحمده .
الرد على ابن تيمية من كلام الشيخ الأكبر — صفحة 322
مساهمون: محمود محمود الغراب
ص٣٢٢