مشارك ، فقال أبو حامد للشيخ : كيف مادة اللّه للسر ؟ فقال له الشيخ : اسمع ، إن نظرت به وجدتهما معا ، لم يفترقا ولم يجتمعا ، ثم قال له : فالسر ما هو ؟ فقال : هو خزانة النظر ، قال له : والروح ؟ قال : هو خزانة النظر ، قال له : والقلب ؟ قال : هو خزانة الفكر ، قال :
والعقل ؟ قال : هو خزانة العدل والعلم ، قال : والنفس ؟ فقال : خزانة الأرض ، ثم قال الشيخ : يا أبا حامد ، على هذا صنعه ، وكل متفرق جمعه .
فقال بعضهم لأبي مدين : قل لنا في التوحيد ، فقال : التوحيد أصل وهو مع كل دقيقة ، والوجود سر وهو ظل الحقيقة ، والتوحيد أحصى كل شيء عددا ، وهو الباقي أزلا وأبدا ، الكافي لمن هو حسبه ، فمن وفقه عمر به قلبه ، هو المظهر للأشياء ، وبحياته كانت الحياة ، فالتوحيد ثمرة المعرفة ، ولا ينال إلا بقلب الأخلاق والصفة ، فمن انقلبت صفته كان المحمود « 1 » ، ومن وقفت همته على ما سواه نال المقصود ، فالعارف به له تظهر أسراره ، وإلى حضرة سيده تمتد أفكاره ، يلاحظ الجمال العلي ، وينزّه ذات الملك الوفي ، فالتوحيد حياة القلوب ، ومظهر الأشياء وساتر العيوب ، ستر به مخلوقاته فبطن ، وأظهر به قدرته فيهم سبحانه فظهر ، للعارف أسرار بها يقتدي ، وأنوار بها يهتدي ، وأنواره من نور سيده ملأت وجوده ، وأشرقت أسراره فكاشفت معبوده ، صفت همته فباشرت المعاني ، وتنزهت صفاته فظل فانيا ، فبالتوحيد العارفون يقولون ويسمعون ، فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون .
فسأل أبو حامد الشيخ أبا مدين عن سر معرفته ومحبته ، فقال له أبو مدين : المحبة مركبي ، والمعرفة مذهبي ، والتوحيد وصولي ، للمحبة سر لا يكشف ، وإدراكات لا يعبّر عنها ، ولا يوصف سرها ، ومنبعها وفيّ ، وأصلها الجود العليّ ، فهي للخواص سنة مسنونة ، دل على ذلك قوله تعالى
يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ
، فالمعرفة يا أخي فخري ، وهي قاعدة سري وأمري ، ثمرتها التوحيد ، ومنها وفيها يكون المزيد ، فالتوحيد أصل وما سواه فرع ، وهو غاية المقامات ونهاية الأحوال ، وماذا بعد الحق إلا الضلال .
ثم سأله عن تنزيهه فقال : نزهت الحق بما نزه به نفسه ، وحمدته حمد من به قدسه ،
هامش
( 1 ) أي انقلب غناه إلى الفقر ، وانقلبت قوته إلى الضعف والعجز ، وانقلب عزه إلى الذل ، إلى غير ذلك مما لا يزاحم فيه الحق سبحانه .