لم يخل شيء من الأشياء من سره حتى الذرة ، قد شهدت بأسرها إليه ونطقت بأنه الواحد ، وأنه ليس له شريك في ملكه ولا ولد ولا والد ، شهادة قد أحكمتها الفطرة ، يشهدها العارف في كل خطرة ونظرة ، فالعارفون به ظهرت لهم الغيوب ، وبذكره أطمأنت منهم القلوب ، فلم يعرجوا على شيء مما سواه ، وما منهم من قنع بشيء عوضا عن مولاه ، فأسرار العارفين عن الخلق محجوبة ، وعند من عرفهم ظاهرة بالحسب مطلوبة ، وقلوب الغير بالأسباب في شعب هي من المعرفة خالية ، ومن الحكمة مسلوبة ، لاحظوا أنفسهم فهم منها على غرور ، من أسرار العارفين خلوا وبظواهرهم تشبهوا ، والناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا .
ورأى بعض الفقراء في واقعته كأن الشيخ أبا مدين جالس ، وعلى رأسه ألوية مركوزة ، وإذا بشخص عليه مسح من شعر ، فسلم عليه ثم قال : يا سيدي جئت أسألك عن الروح وما سره ؟ فقال له الشيخ : السر هو الحقيقة ، لا تجلّى عليه خليقة ولا دقيقة ، هو مادة اللّه في الوجود ، يأتي من عين اللطف والجود ، محرك الحركات ، ومجمد الجمادات ، ومنتشر في النباتات ، عنصره النور الإلهي ، ومنبعه النور الخفي ، به أقام إمداد الوجود إلى أمد ، وبه رفع السماوات بغير عمد ، فهو العمد الذي هم عنه عمون ، وإنما يراه المبصرون ، الذين له ينظرون وبه يسمعون وبه يعقلون . ثم قال الشيخ : يا من خلق الخلق أطوارا ، وأنطقهم سرا وجهارا ، وبصرّهم في نفوسهم فكرة واعتبارا ، قوم نبّهوا فانتبهوا ، وقوم أغفلوا فبقوا حيارى . ثم قال : إذا عرّفك به ، أمدّ سرك من سره ، فكنت قريبا بقربه ، ومنعما في قدسه ، وكشف لك عن وجهه ، فنظرت جماله به ، فالفروع راجعة إلى الأصول ، منها ظهرت وفيها أثرت ، فكل فرع هو أصله ، وكل مفترق هو جمعه .
ورأى بعض المريدين في واقعته الشيخ أبا مدين وقد استوى في الهواء ، ومعه أبو حامد الغزالي ، فقال الشيخ : يا أبا حامد السر باللّه ناظر ، والروح يتلقف منه الأوامر ، والقلب للسكينة والساكن ، والعقل حكم حاكم ، والنفس تحت قهر القاهر ، والحق به ظهر الوجود ، وهو الواحد المعبود ، ثم قال : يا أبا حامد إذا تلاشت المعاني ، فاقرأ السبع المثاني ، فإنك تراه كما لم يزل ، وأنت كما لم تكن .
فرأى المريد عند هذا الكلام قد خصّ الشيخ بالتجلي الإلهي ، وأبو حامد معه
الرد على ابن تيمية من كلام الشيخ الأكبر — صفحة 319
مساهمون: محمود محمود الغراب
ص٣١٩