تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الرد على ابن تيمية من كلام الشيخ الأكبر — صفحة 318

مساهمون:

ص٣١٨
وعده ، فيرويها الحق بالماء الصافي ، ويعالج علتها بالعلم الشافي ، فيبرىء بها من الأسقام ومن جملة العلل ، ويصلحها ويعلمها من الأسرار ما لم تكن تعلم ، فعلم العارف موصول المعرفة ، فيظهر له الحق فيألف لمألوفه ، فاستمع لهذه العلوم وأصغ إليها بقلبك ، فكل من عليها فان ، ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام - فقال بعض الحاضرين للشيخ : أعد علينا كلامك في التوحيد ؛ فقال : التوحيد أصل في الوجود ، وعليه أخذت المواثيق والعهود ، وهو دليل على كل مفقود ، فمن بقي على أصله فقد وفا ، ومن عدل عن رسمه فقد أخطأ الطريق وجفا ، ومن أتاه بقلب سليم ، تلذذ بالنظر إلى وجهه الكريم ، به يسيرون ، وبه يتلذذون ، وبه يهتدون ، وأكثر الخلق للجزاء يعملون ، ولعليين قوم آخرون ، هو قلب الوجود به قام ، وهو المحرك والمسّكن لسائر الأجرام ، سرّه في مخلوقاته قد انتشر ، وحكمه في مصنوعاته كما قدر وأمر ، فما من شيء قلّ أو جلّ إلا هو معه ، ولا ظاهر ولا باطن إلا وقد أتقنه وصنعه ، إن قلت فقوله سبق الأقوال ، وإن عملت فهو خالق الأعمال ، هو الممد للحركات والسكون ، وإذا أراد أمرا فإنما يقول له كن فيكون ، فسر هذا التوحيد مستور بالغيرة ، وإذا صحت الوحدة بطلت الكثرة ، فمن انتهت همته إلى هذا المقام ، كان شفعه بالخالق العلام ، لا يلتفت إلى غيره ، يتخلق بأخلاقه ويسير بسيره ، وهو الأول والغاية ، وهو الآخر وإليه النهاية ، به حيي كل حي ، وبه نشأ كل شيء ، ونحن الفقراء وهو الغني ، فسبحانه الواحد العلي ، فمن كانت هذه رتبته ، فقد علت همته ، بنوره أشرق كل نور وسطع ، وعمّا سواه انقطع ، تعزز به كل عارف وتاه ، وتنزه عن ملاحظة ما سواه ، ولم يقنع من مولاه إلا بمولاه ؛ فقال أحدهم للشيخ أبي مدين : قل لنا شيئا في المعرفة ؛ فقال : المعرفة هي الحجة لبلوغ العافية ، وثمرتها التوحيد وإليه النهاية ، فالتوحيد هو غاية الأمل ، وما افترق في الوجود عنده اشتمل ، هو المبدأ وله البيان ، وإليه المرجع وبه يحصل الأمان ، سره في مخلوقاته خفي ، وحكمه في مصنوعاته ظاهر جلي ، أمره قد انتشر في الورى ، وقضاؤه وقدره في كل شيء قد جرى ، وهو الأول قبل كل شيء وهو الآخر ، وإليه يرجع الأمر كله وهو الآمر ، فالمحسوسات كلها هبا ، وهي حجابه سبحانه وبه خفا ، فقلب العارف طاهر مما سواه ، فإذا أعين عليه بادره برحمته فقواه ، بحياته امتدت حياته ، وبصفاته امتدت صفاته ، فمخلوقاته بأسرها إليه مضطرة ، إذ