تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الرد على ابن تيمية من كلام الشيخ الأكبر — صفحة 317

مساهمون:

ص٣١٧
لأبي مدين : تكلم لنا في شيء من التوحيد ، فقال : التوحيد هو الحق ، وإليه الملجأ لأهله ، وبه النجاة ، هو السر الخفي ، به ظهرت الأسرار ، وهو الشمس المشرقة ، ومنه ينابيع الأنوار ، وهو قطب العارفين ، وهو الدليل ومبرىء الأسقام ، وشفاء كل عليل ، هو الظاهر ، فما سواه حجابه ، فمن كان ذا بصر جاوز أبوابه ، كشف له عن ملكه فعاين سلطانه ، وغيّبه به عنه فعظّم شانه ، فبين العارف وبين ربه ، سر وقر في صدره ، وحكم يمده بها من غيبه ، فهي غذاؤه وشرابه ، مظهر له حقيقة التوحيد ولبابه ، امتاز بها عن سائر الخلق ، فواصلته وأجلسته في حضرة الحق ، اختصه بالعلوم الأزلية العجيبة ، فحقيقته من الحق دانية قريبة ، بلا حركة من معنى إلى معنى ولا انتقال ، ولا ماض ولا مستقبل ولا حال ، هو بسر العارف مكشوف ، أمدّه به من خفي سره ، فسره من سره معروف ، فجملة المحسوسات عدم وهبا ، فحقق ببصيرتك تنظر عجبا ، تجد القائم في كل الخطرات واللحظات مشاهدا ، إذ هي أغطية يستر بها ، إذ هو في الوجود واحد ، فالمعرفة في حق كل مصنوع وضعه ، فكل مفترق هو أصله وجمعه ، بذلك شهدت الظواهر على غيبها ، فهو المبدىء لكل شيء والمعيد ، والفعال في ملكه يفعل ما يريد ، فجملة هذه العلوم عرفها العارفون ، وجهلها الأكثرون ، وعلم تأويلها الراسخون ، وما يعقلها إلا العالمون - فقال أبو يزيد : زدنا من كلامك في التوحيد ، فقال : التوحيد هو الحق ، ومنور القلب ، ومحرك الظواهر ، وعلام الغيوب ، نظر العارفون فتاهوا ، إذ لم يعمر قلوبهم إلا هو ، فهم به والهون ، قلوبهم تسرح في رضاه في الحضرة العليّة ، وأسرارهم مما سواه فارغة خليّة ، جالت أسرارهم في الملكوت فلاحظوا عظمته ، وتجلى لقلوبهم فأنطقهم حكمته ، فهو للعارف ضياء ونور ، وقد أشغله به عن الجنة والقصور ، آنسه به فهو جليسه ، وأفناه عنه فتلاشى كثيفة ، فامتزج المعنى بالمعنى فكان هو ، ذهبت الرسوم وفنيت العلوم ، ولم يبق إذ ذاك إلا الحي القيوم ، وهو معنى المعاني والحي الباقي ، وكشف سر العارف ماذا يلاقي ، من البر والإحسان ولذة النظر ، وغيبته عن الأغيار وعن جملة البشر ، تنزه عن تنزيهه فنزهه به ، وفني عن الأكوان بمشاهدة ربه ، فعدا عن الأسماء وسما عن الصفات ، واضمحلت كليته في مشاهدة الذات ، هذه علوم وهذه أسرار ، يكاشف بها من هو لها مختار ، فينبتها في الوجود فيظهر ما عنده ، ويحيي بها القلوب وينجز له