تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الرد على ابن تيمية من كلام الشيخ الأكبر — صفحة 316

مساهمون:

ص٣١٦
روحانية ، تقصر عن إدراكها الصفات البشرية ، ويعيها من هو بالتوحيد حي ذو عيان ، ويعجز عنها من رضي بنعيم الجنان ، فالعارف لذته ذكره مولاه ، وهو كليته والظاهر بعبادته ، ومفصّحه بالعلم وهاديه لبيانه ، أمد سره من سره ، فأنطق لسانه بالحكمة ، فجذب الخلق إليه وهدى به الأمة ، فكشف له الغطاء عن أسرار التوحيد ، وتجلى لقلبه من هو أقرب إليه من حبل الوريد ، فتألفت متفرقاته ففني عن رسومه ، وكاشفه به وشرّفه بعلومه ، فاهتزت أرضه ونبع ماؤه ، فوسعه قلبه وما وسعته أرضه ولا سماؤه ، هكذا جاء في الخبر ، عن سيد البشر ، هو مأوى العارف وهو الأمل ، صحت له محبته في الأزل ، فألبسه التقوى وزينه بالتجريد ، وأقامه للعيان وأفناه في التوحيد ، سقاه شرابا رويا وغذاه بلبان اللب ، واتصل بالمحل الخالص من اللقاء والقرب - فقال أبو يزيد للشيخ : زدنا من التوحيد شيئا ؛ فقال : التوحيد هو النور الذي منه مادة كل نور ، وما عداه فأغشية وستور ، هو الساتر المستور ، هو الأصل في كل الأمور ، مادته لكل ناقص وزائد ، وما تفرق في الوجود فهو عنده واحد ، أودع بعض العارفين من الأسرار ، ما ميزه بها عن الأغيار ، وأجرى ينابيع الحكمة في قلبه فأنبتت أرضه ثمار الإيمان ، وأزهرت بأنوار الإحسان ، فأعبقت بنسيم الذكر ، وجال فكره في ميدان الفكر ، فرؤي في حضرة الملكوت شاخصا ، واختطفه معنى الوحدانية مقافصا « 1 » ، فأفنته عن وجوده وعن الإحساس ، وغيبته عن مشاهدة الأنواع والأجناس ، فكشفت له الغطاء عن سر الأسرار ، فتلاشت الآثار والأخبار ، فعاين من عظمة الجلال ما يليق به ، وكشف السر الإلهي لعينه من غيبه ، فامتزج نوره بنور النور ، وتجلى لقلبه الملك الغفور ، فصفات العارف أبدا تسمو وترقى ، وأسراره لمالكه تزداد شوقا ، قلبه له أبدا سليم ، وسره في الحضرة معه مقيم ، ليس منه في الوجود إلا ظاهره ، ينتظر ما ترد به أوامره ، لا يشغله أبدا عنه شاغل ، هو معه كالميت بين يدي الغاسل ، يقلبه في أي الجهات كيف شاء ، ويكشف عن قلبه كل غشاء ، فينظره بعين التحقيق ، فيرد إليه الخلق من كل طريق ، فالعارف من آفات الغير محفوظ ، وكل ما سوى الحق عنه مرفوض ، ركن إلى الحصن المنيع فآواه ، ودق نظره في معرفته فتمعنى بمعناه ، فنودي من حضرة مولاه : وحدني فإني أنا اللّه - فقال أبو يزيد
هامش
( 1 ) مجموعا بكليته .