ويقال في ذلك : إن أهل البداية عند حصول التوبة ، ملتذون بكل شدة تطرأ عليهم ، فهي شدة عند غيرهم ، وهي ملذوذة هينة عندهم ، ولهذا أهل النهاية من العارفين يحنون إلى البداية ، لأجل هذه اللذة ، فإنهم لا يجدونها في النهاية ، فإنهم أهل تمييز متحققون بالحق ، فهم أهل غضب ورضى ، فيحنون إلى البداية لأجل ما فيها من الالتذاذ ، وكلما كمل الرجل أعطاه اللّه التمييز في الأمور ، وحققه بالحقائق ، إذ الموطن يعطي ذلك ، فكان العارف بحسب الموطن . ( ف ح 2 / 524 )
عصر الشباب هو عصر البدايات ، فحنين العارفين في نهايتهم إلى موطن بدايتهم ، وأنه ليس شيء أعظم لذة من البداية ، فإن في النهاية التقصير ، لعدم مساعدة الآلات ، فيما يريد من الطاعات . ( ذخائر الأعلاق )
تعليق أبي مدينى على ما دار بين الخضر وموسى عليهما السلام :
قال الشيخ أبو مدين : لما علم الخضر رتبة موسى وعلو قدره بين الرسل ، امتثل ما نهاه عنه ، طاعة للّه ولرسوله ، فإن اللّه يقول
وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا
فقال له في الثانية
إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَها فَلا تُصاحِبْنِي
فقال : سمعا وطاعة ، فلما كانت الثالثة ونسي موسى حالة قوله
إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ
وما طلب الإجارة على سقايته مع الحاجة ، فارقه الخضر بعد ما أبان له علم ما أنكره عليه ، ثم قال له
وَما فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي
لأنه كان على شرعة من ربه ومنهاج وفي زمانها ، بخلاف حاله بعد بعث محمد صلى اللّه عليه وسلم ، فإنه الفرا ، كل الصيد في جوفه .
لو صبر موسى عليه السلام لرأى من الخضر عجبا ، فإنه كان قد أعد له ألف مسألة ، كلها جرت لموسى ، وكلها ينكرها على الخضر . ( ف ح 2 / 261 )
قول العارف : من صح توكله في نفسه صح توكله في غيره .
كان رجل من التجار يقول للشيخ أبي مدين : أريد منك إذا رأيت فقيرا يحتاج إلى شيء تعرفني ، حتى يكون ذلك على يدي ؛ فجاءه يوما فقير عريان يحتاج إلى ثوب ، وكان مقام الشيخ وحاله في ذلك ، عدم الاعتماد على غير اللّه في جميع أموره ، في حق نفسه وفي حق