ونهاية مدتها ، وهم أهل الكشف في اللوح المحفوظ ، المعتكفون على النظر فيه ، أو من كان كشفه في نظرته ما هو الوجود عليه ، ثم يسدل الحجاب دونه ويرى التناهي « 1 » ، إذ كل ما دخل في الوجود متناه ، وليس لصاحب هذا الكشف من الكشف الأخروي شيء ، فقال فيهم أبو مدين : إن من الرجال من يحن في نهايته إلى البداية ؛ وذلك لأن اللّه ما كشف لهم عن حقيقة الأمر على ما هو عليه ، وسبب الري الحقيقي ، أنه لما لم يتمكن أن يقبل من الحق إلا ما يعطيه استعداده ، وليس هناك منع ، فحصل الاكتفاء بما قبله استعداد القابل ، وضاق المحل عن الزيادة من ذلك ، فقال صاحب هذا الذوق : ارتويت . ( ف ح 2 / 551 )
واعلم أن العارف متى تحقق قول الشارع : إن التائب من الذنب كمن لا ذنب له ؛ فلما ورد عليه هذا الأمان عقيب الخوف الشديد ، وجد للأمان حلاوة ولذة لم يكن يعرفها قبل ذلك ، وقد قيل في ذلك : أحلى من الأمن عند الخائف الوجل ؛ فعندما يحصل له طعم هذه اللذة ، وشرع في الأعمال الصالحة ، وتطهر محله واستعد لمجالسة الملك ، فإنه يقول : أنا جليس من ذكرني ؛ وتقوّت معرفته به سبحانه ، وعلم ما يستحقه جلاله ، وعلم قدر من عصاه ، استحيا كل الحياء ، وذهبت لذته التي وجدها عند ورود وارد توبته عليه ، واطلع ورأى الحضرة الإلهية تطالبه بالأدب ، والشكر على ما أولاه من النعم ، فيكثر همه وغمه ، وتنتفي لذته ، ولهذا ترى العلماء باللّه ، لا يرون في نومهم ما يراه المريدون أصحاب البدايات من الأنوار ، فإن المبتدىء يستحضر مستحسنات أعماله وأحواله ، فيرى نتائجها ، والعالمون ينامون على رؤية تقصير وتفريط لما يستحقه الجناب العالي ، فلا يرى في النوم إلا ما يهمهم ، من ظلمات ورعد وبرق وكل أمر مخوف ، فإن النوم تابع للحس ، ولما كانت النفس بطبعها تحب الأمور الملذوذة ، وقد فقدت لذة التوبة في حال معرفتها ونهايتها ، لذلك حنت إلى بدايتها من أجل ما اقترن بذلك الموطن من اللذة ، مع علو مقامه ، ويكون هذا الحنان استراحة لهمه وغمه ، الذي أعطته معرفته باللّه ، فهو مثل الذي يلتذ بالأماني ، فهذا سبب حنين أصحاب النهايات إلى بدايتهم . ( ف ح 1 / 256 )
هامش
( 1 ) راجع علم البرزخ عند سهل بن عبد اللّه ص 212 .