تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الرد على ابن تيمية من كلام الشيخ الأكبر — صفحة 306

مساهمون:

ص٣٠٦
ثم قال : وأيام ربنا كما قال ، كل يوم كألف سنة مما تعدون ، فضيافته بحسب أيامه ، ونحن نأخذ ضيافته على قدر أيامه ، فإذا أقمنا عنده ثلاثة آلاف سنة ، وإذا أكملت لنا الثلاثة أيام من أيام اللّه - من نزلنا عليه - وانقضت ، ولا نحترف ولا نأكل من كسبنا ، عند ذلك يتوجه اللوم واعتراضكم علينا ، وإقامة مثل هذه الحجة علينا ، ونحن نموت وتنقضي الدنيا ، ويبقى لنا فضلة عنده تعالى من ضيافتنا . انظر يا أخي ما أحسن نظر هذا الشيخ ، وما أعظم موافقته للسنة ، فلقد نور اللّه قلب هذا الشيخ ، فحق الضيف واجب ، ولذلك استحسن ذلك منه المعترض ، وانظر من هذا النفس إن كنت منهم . ( ف ح 1 / 666 - ح 4 / 485 - ح 1 / 655 ) واتفق للشيخ وكان وقته التجريد وعدم الادخار ، أن نسي في جيبه دينارا ، وكان كثيرا ما يرتب منقطعا في جبل الكواكب ، وكانت هناك غزالة تأتي إليه فتدرّ عليه ، فيكون ذلك قوته ، فلما جاء إلى الجبل جاءت الغزالة ، وهو محتاج إلى الطعام ، فمد يده على عادته إليها ليشرب من لبنها ، فنفرت عنه وما زالت تنطحه بقرونها ، وكلما مد يده إليها نفرت منه ، ففكر في سبب ذلك ، فتذكر الدينار فأخرجه من جيبه ورمى به ، في موضع فقده ولا يجده ، فجاءت إليه الغزالة وآنست به ودرّت عليه . ( ف ح 1 / 480 ) وكان الشيخ رحمه اللّه إذا جاءه مأكول طيب أكله ، وإذا جاءه مأكول خشن أكله ، وإذا جاع وجاءه نقد علم أن اللّه قد خيره ، إذ لو أراد أن يطعمه أي صنف شاء من المأكولات جاء به إليه ، فيقول : هذا النقد ثمن المأكول ، جاء به اللّه للتخيير والاختيار ، فينظر في ذلك الوقت ما هو الأحب إلى اللّه من المأكولات ، بالنظر إلى صلاح المزاج للعبادة ، لا إلى الغرض النفسي واتباع الشهوة ، فإن وافقه كل مأكول حينئذ يرجع إلى موطن الدنيا ، وما ينبغي أن يعامل به من الزهد في ملذوذاتها ، مع صلاح المزاج الذي يقوم بصلاحه العبادة المشروعة ، فيعدل بحكم الموطن إلى شظف العيش ، الذي تكرهه النفس لعدم اللذة به ، ويكتفي بلذة الحاجة ، فإنه يتناوله عند الضرورة ، فإن لذة الضرورة ما فوقها لذة ، لأن الطبع يطلبها ، وإذا حصل للطبع طلبه التذ به . فكان هذا للشيخ أبي مدين من مقام الفتوة في طريق أهل اللّه . ( ف ح 2 / 233 )