كان مباحا ، فالتنزيه عنه عند الأكابر أولى ، وكان أبو يزيد البسطامي يكرهه ولا يقول به ، وقيل لابن جريج فيه فقال : يا ليتني أخرج منه رأسا برأس ، لا علي ولا لي ؛ وأما مذهبنا فيه فإن الرجل المتمكن من نفسه لا يستدعيه ، وإذا حضر لا يخرج بسببه ، وهو عندنا مباح على الإطلاق ، لأنه لم يثبت في تحريمه شيء عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فإن كان الرجل ممن لا يجد قلبه مع ربه إلا فيه ، فواجب عليه تركه أصلا ، فإنه مكر إلهي خفي ، ثم إن كان يجد قلبه فيه وفي غيره وعلى كل حال ، ولكنه يجده في النغمات أكثر ، فحرام عليه حضوره ، ولا أعني بالنغمات المسموعة في الشعر فقط ، وإنما أعني بوجود النغمة في الشعر وفي غيره ، حتى في القرآن إذا وجد قلبه فيه لحسن صوت القارئ ، ولا يجد قلبه فيه عندما يسمعه من قارىء غير طيب الصوت ، فلا يعول على ذلك الوجد ، ولا على ما يجد فيه من الرقة في الجناب الإلهي ، فإنه معلول ، وتلك رقة الطبيعة ، فإن كان عارفا بالتفصيل ، ويفرق بين سماعه الإلهي والروحاني والطبيعي ، ما يلتبس عليه ولا يخلط ، ولا يقول في سماع الطبيعة إنه سماعه باللّه ، فمثل هذا لا يحجر عليه ، وتركه أولى ، ولا سيما إن كان ممن يقتدى به من المشايخ ، فيستتر به المدعي الكاذب ، أو الجاهل بحاله وإن لم يقصد الكذب . ( ف ح 2 / 368 ، 369 )
قوله : واللّه إني لأعرف حال عبد القادر كيف كان في أهله ، وكيف هو الآن في قبره .
ذكر الشيخ عبد القادر الجيلاني بين يدي أبي السعود ، وأطنب الذاكر في ذكره والثناء عليه ، وكأن القائل قصد به تعريف الشيخ أبي السعود والحاضرين بمنزلة عبد القادر ، وأفرط ، فقال له الشيخ أبو السعود : كم تقول أنت ، تحب أن تعرفنا بمنزلة عبد القادر ؟ ! - كالمنتهر له - واللّه إني لأعرف حال عبد القادر كيف كان مع أهله ، وكيف هو الآن في قبره .
هناك منزل يعلم منه ما أكنته القلوب من الأمور ، وما يجري فيها من الخواطر ، وما تحدث به نفوسها ، على طريق الإحصاء لها فيما مضى ، حتى أن المتحقق بهذا المنزل يعرف من الشخص جميع ما تضمنه قلبه ، وما تعلقت به إرادته من حين ولادته ، وحركته لطلب الثدي إلى حين جلوسه بين يديه ، مما لا يعرفه ذلك الشخص من نفسه لصغره ، ولما طرأ