قوله في عقلاء المجانين :
قيل لأبي السعود بن الشبلي عاقل زمانه : ما تقول في عقلاء المجانين من أهل اللّه ؟
فقال رضي اللّه عنه : هم ملاح ، والعقلاء منهم أملح ؛ قيل له : فبماذا نعرف مجانين الحق من غيرهم ؟ فقال : مجانين الحق يظهر عليهم آثار القدرة ، والعقلاء يشهد الحق بشهودهم ؛ وقال : من شاهد ما شاهدوا وأبقي عليه عقله ، فذلك أحسن وأمكن . ( ف ح 1 / 248 - ح 2 / 522 )
اعلم أن للّه قوما كانت عقولهم محجوبة ، بما كانوا عليه من الأعمال التي كلفهم الحق تعالى في كتابه ، وعلى لسان رسوله صلى اللّه عليه وسلم التصرف فيها شرعا ، وشرعها لهم ، ولم يكن لهم علم بأن للّه تعالى الحق فجأة - لمن خلا به في سره ، وأطاعه في أمره ، وهيأ قلبه لنوره - من حيث لا يشعر ، ففجأه الحق على غفلة منه بذلك ، وعدم علم واستعداد لهائل أمر ، فذهب بعقله في الذاهبين ، وأبقى تعالى ذلك الأمر الذي فجأه مشهودا له ، فهام فيه ومضى معه ، فبقي في عالم شهادته بروحه الحيواني ، يأكل ويشرب ويتصرف في ضروراته الحيوانية ، تصرف الحيوان المفطور على العلم بمنافعه المحسوسة ومضاره ، من غير تدبير ولا روية ولا فكر ، ينطق بالحكمة ولا علم له بها ، ولا يقصد نفعك بها ، لتتعظ وتتذكر أن الأمور ليست بيدك ، وأنك عبد مصرف بتصريف حكيم ، وسقط التكليف عن هؤلاء ، إذ ليس لهم عقول يقبلون بها ولا يفقهون بها ، تراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون ، خذ العفو - أي القليل - مما يجري اللّه على ألسنتهم من الحكم والمواعظ ، وهؤلاء هم الذين يسمون عقلاء المجانين ، يريدون بذلك أن جنونهم ما كان سببه فساد مزاج ، عن أمر كوني من غذاء أو جوع أو غير ذلك ، وإنما كان من تجل إلهي لقلوبهم ، وفجأة من فجآت الحق فجأتهم ، فذهبت بعقولهم ، فعقولهم محبوسة عنده ، منعمة بشهوده ، عاكفة في حضرته ، متنزهة في جماله ، فهم أصحاب عقول بلا عقول ، وعرفوا في الظاهر بالمجانين ، أي المستورين عن تدبير عقولهم ، فلهذا سموا عقلاء المجانين ، وأما قول الشيخ أبي السعود : من شاهد ما شاهدوا وأبقي عليه عقله فذلك أحسن وأمكن ؛ فإنه قد أقيم وأعطي من القوة قريبا مما أعطيت الرسل ، وإن تغيروا في وقت الفجآت ، فقد علمنا أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لما فجأه الوحي قال : جئت منه رعبا ؛ فأتى