تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الرد على ابن تيمية من كلام الشيخ الأكبر — صفحة 292

مساهمون:

ص٢٩٢
أكمل منه ، ولو كان الأكمل لا يتناهى لما تصور خلق الكمال ، وقد وجد مطابقا للخضرة الكمالية ، فقد كمل . ( ف ح 2 / 321 ، ح 1 / 552 - ح 4 / 260 - ح 1 / 45 )

قوله : لولا هذا العلم الغريب لكنا على خير كثير .

حكى أصحاب الرسوم عن شخص سموه ، وهو أنه رأى أبا حامد الغزالي في النوم ، فقال له أو سأله عن حاله ، فقال له : لولا هذا العلم الغريب لكنا على خير كثير . تأوّل هذه الرؤيا الشيطانية علماء الرسوم ، على ما كان عليه أبو حامد من علم هذا الطريق ، وقصد إبليس بهذا التأويل الذي زين لهم ، أن يعرضوا عن هذا العلم فيحرموا هذه الدرجات ، هذا إذا لم يكن لإبليس مدخل في الرؤيا ، وكانت الرؤيا ملكية ، وإذا كانت الرؤية من اللّه ، والرائي في غير موطن الحس ، والمرئي ميت ، فهو عند الحق لا في موطن الحس ، والعلم الذي كان يحرض عليه أبو حامد وأمثاله ، في أسرار العبادات وغيرها ، ما هو غريب عن ذلك الموطن الذي الإنسان فيه بعد الموت ، بل تلك حضرته وذلك محله ، فلم يبق العلم الغريب على ذلك الموطن ، إلا العلم الذي كان يشتغل به في الدنيا ، من علم الطلاق والنكاح والمبايعات والمزارعة وعلوم الأحكام التي تتعلق بالدنيا ، ليس لها إلى الآخرة تعلق البتة ، لأنه بالموت يقارقها ، وهذه العلوم الغريبة عن موطن الآخرة ، كالهندسة والهيئة وأمثال هذه العلوم ، التي لا منفعة لها إلا في الدار الدنيا ، وإن كان له الأجر فيها من حيث قصده ونيته ، فالخير الذي يرجع إليه من ذلك قصده ونيته لا عين العلم ، فإن العلم يتبع معلومه ، ومعلومه هذا كان حكمه في الدنيا لا في الآخرة ، فكأنه يقول له في رؤياه : لو اشتغلنا زمان شغلنا بهذا العلم الغريب عن هذا الموطن ، بالعلم الذي يليق به ويطلبه هذا الموضع ، لكنا على خير كثير ، ففاتنا من خير هذا الموطن ، على قدر اشتغالنا بالعلم الذي كان تعلقه بالدار الدنيا ؛ فهذا تأويل رؤيا هذا الرائي ، لا ما ذكروه ، ولو عقلوا لتفطنوا في قوله : العلم الغريب ؛ فلو كان علمه بأسرار العبادة وما يتعلق بالجناب الأخروي لما كان غريبا ، لأن ذلك موطنه ، والغربة إنما هي لفراق الوطن ، فثبت ما ذكرناه ، فإياك أن تحجب عن طلب هذه العلوم الإلهية والأخرويّة ، وخذ من علوم الشريعة على قدر ما تمس الحاجة إليه ، مما ينفرض عليك طلبه خاصة ، وقل رب زدني علما على الدوام دنيا وآخرة . ( ف ح 1 / 643 )
الرد على ابن تيمية من كلام الشيخ الأكبر — صفحة 292 | محمود محمود الغراب