تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الرد على ابن تيمية من كلام الشيخ الأكبر — صفحة 290

مساهمون:

ص٢٩٠
المنعوتة بهذه المرتبة ، المجهولة العين والكيف ، وعندنا لا خلاف في أنها لا تعلم ، بل يطلق عليها نعوت تنزيه صفات الحدث ، وأن القدم لها والأزل الذي يطلق لوجودها ، إنما هي أسماء تدل على سلوب ، من نفي الأولية وما يليق بالحدوث ، وهذا يخالفنا فيه جماعة من المتكلمين الأشاعرة ، ويتخيلون أنهم قد علموا من الحق صفة نفسية ثبوتية ، وهيهات ، أنّى لهم بذلك ؟ ! ولذلك أخذت طائفة ممن شاهدناهم من المتكلمين ، كأبي عبد اللّه الكتاني وأبي العباس الأشقر ، والضرير السلاوي صاحب الأرجوزة في علم الكلام ، على أبي سعيد الخراز وأبي حامد وأمثالهما ، في قولهم : لا يعرف اللّه إلا اللّه ؛ والتنزيه مشروع ومعقول ، فإن التنزيه له درجات في العقل ما « 1 » دونه تنزيه بتشبيه ، وأعلاه عند العقل تنزيه بغير تشبيه ، ولا سبيل لمخلوق إليه ، إلا برد العلم فيه إلى اللّه تعالى ، والتنزيه بغير التشبيه وردت به الشريعة أيضا ، وما « 2 » وجد في العقل ، فغاية النظر العقلي في تنزيه الحق مثلا عن الاستواء ، أنه انتقل عن شرح الاستواء الجسماني على العرش المكاني ، بالتنزيه عنه إلى التشبيه بالاستواء السلطاني الحادث ، وهو الاستيلاء على المكان الإحاطي الأعظم ، أو على الملك ، فما زال في تنزيهه من التشبيه ، فانتقل من التشبيه بمحدث ما ، إلى التشبيه بمحدث آخر فوقه في الرتبة ، فما بلغ العقل في التنزيه مبلغ الشرع فيه ، في قوله
لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ
ألا تراهم استشهدوا في التنزيه العقلي في الاستواء بقول الشاعر :
قد استوى بشر على العراق * من غير سيف ودم مهراق
وأين استواء بشر على العراق ، من استواء الحق على العرش ؟ لقد خسر المبطلون ، أين هذا الروح من قوله
لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ
؟ ! فاستواء بشر من جملة الأشياء ، لقد صدق أبو سعيد الخراز وأمثاله حيث قالوا : لا يعرف اللّه إلا اللّه . ( ف ح 1 / 160 ، 681 ) فمن عرف اللّه بمخلوقاته ، جعل دليلا عليه من ليس بينه وبينه مناسبة ، ومن عرف اللّه باللّه ، فقد عرفه ، ومن عرف اللّه بالكون ، فقد عرف ما أعطاه ذلك الكون لا غير . ( كتاب ترجمان الأشواق )
هامش
( 1 ) ما هنا اسم موصول بمعنى الذي . ( 2 ) ما هنا نافية .
الرد على ابن تيمية من كلام الشيخ الأكبر — صفحة 290 | محمود محمود الغراب