ونبوة عيسى عليه السلام ثابتة له محققة ، فهذا نبي ورسول قد ظهر بعده صلى اللّه عليه وسلم ، وهو الصادق في قوله إنه لا نبي بعده ، فعلمنا قطعا أنه يريد التشريع خاصة ، وهو المعبر عنه عند أهل النظر بالاختصاص ، وهو المراد بقولهم : إن النبوة غير مكتسبة ؛ وأما القائلون باكتساب النبوة ، فإنهم يريدون بذلك حصول المنزلة عند اللّه ، المختصة من غير تشريع ، لا في حق أنفسهم ولا في حق غيرهم ، فمن لم يعقل النبوة سوى عين الشرع ونصب الأحكام ، قال بالاختصاص ومنع الكسب ، فإذا وقفتم على كلام أحد من أهل اللّه أصحاب الكشف ، يشير بكلامه إلى الاكتساب ، فليس مرادهم سوى ما ذكرناه ، وهؤلاء هم المقربون الذين قال اللّه فيهم
عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ
وبه وصف اللّه نبيه عيسى عليه السلام فقال
وَجِيهاً فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ
وبه وصف الملائكة فقال
وَلَا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ
ومعلوم قطعا أن جبريل كان ينزل بالوحي على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، ولم يطلق عليه في الشرع اسم نبي ، مع أنه بهذه المثابة ، فالنبوة مقام عند اللّه يناله البشر ، وهو مختص بالأكابر من البشر ، يعطى للنبي المشرع ، ويعطى للتابع لهذا النبي المشرع الجاري على سنته ، فإذا نظر إلى هذا المقام بالنسبة إلى التابع ، وأنه باتباعه حصل له هذا المقام ، سمي مكتسبا ، والتعمل بهذا الاتباع اكتسابا ، ولم يأته شرع من ربه يختص به ، ولا شرع يوصله إلى غيره ، فسددنا باب إطلاق لفظ النبوة على هذا المقام مع تحققه ، لئلا يتخيل متخيل أن المطلق لهذا اللفظ يريد نبوة التشريع فيغلط ، كما اعتقده بعض الناس في الإمام أبي حامد ، فقال عنه إنه يقول باكتساب النبوة في كيمياء السعادة وغيره ، معاذ اللّه أن يريد أبو حامد غير ما ذكرناه ، فهذا المقام هو مقام القربة ، بين الصديقية ونبوة التشريع ، فهو مقام النبوة المطلقة ، وقد أنكر أبو حامد الغزالي هذا المقام ، وقال ليس بين الصديقية والنبوة مقام ، ومن تخطى رقاب الصديقين وقع في النبوة ، والنبوّة باب مغلق ، فكان يقول : لا تتخطوا رقاب الصديقين ؛ ولا شك أن الأنبياء أصحاب الشرائع هم أرفع عباد اللّه من البشر ، ومع هذا لا يبعد أن يخص اللّه المفضول بعلم ليس عند الفاضل ، ولا يدل تميزه عنه أنه بذلك العلم أفضل منه ، فقد قال الخضر لموسى عليه السلام : يا موسى أنا على علم علمنيه اللّه لا تعلمه أنت ، وأنت على علم علمكه اللّه لا أعلمه أنا ؛ وما قال له أنا أفضل منك . ( ف ح 2 / 3 ، 19 ، 262 )