فما طرأ ما طرأ على القائلين بخلاف هذا ، إلا من اعتقادهم في نفوسهم أنهم قد عمّوا بسلوكهم جميع الطرق والمقامات ، وأنه ما بقي مقام إلا ولهم فيه ذوق ، وما رأوا أنهم نزل عليهم ملك ، فاعتقدوا أن ذلك مما يختص به النبي ، فذوقهم صحيح وحكمهم باطل ، ولا يتخيل في الإلهام أنه ليس بخبر إلهي ، ما هو الأمر كذلك ، بل هو خبر إلهي ، وإخبار من اللّه للعبد على يد ملك مغيب عن هذا الملهم ، وقد يلهم من الوجه الخاص ، فالرسول والنبي يشهد الملك ويراه رؤية بصر عندما يوحي إليه ، وغير الرسول يحس بأثره ولا يراه رؤية بصر ، فيلهمه اللّه به ما شاء أن يلهمه ، أو يعطيه من الوجه الخاص بارتفاع الوسائط ، وهو أجلّ الإلقاء وأشرفه ، وهو الذي يجتمع فيه الرسول والولي أيضا . ( ف ح 3 / 316 ، 238 )
فأهل اللّه يشاهدون تنزل الأرواح على قلوبهم ولا يرون الملك النازل ، إلا أن يكون المنزل عليه نبيا أو رسولا ، فالولي يشهد الملائكة ولكن لا يشهدها ملقية عليه ، أو يشهدون الإلقاء ويعلمون أنه من الملك من غير شهود ، فلا يجمع بين رؤية الملك والإلقاء منه إلا نبي أو رسول ، وبهذا يفترق عند القوم ويتميز النبي من الولي ، أعني النبي صاحب الشرع المنزل ، وقد أغلق اللّه باب التنزل بالأحكام المشروعة ، وما أغلق باب التنزل بالعلم بها على قلوب أوليائه ، وأبقى لهم التنزل الروحاني بالعلم بها ، ليكونوا على بصيرة في دعائهم إلى اللّه بها ، كما كان من اتبعوه وهو الرسول ، فهو أخذ لا يتطرق إليه تهمة عندهم ، قال تعالى
يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا . .
فما جاء إلا بالإعلام . ( ف ح 2 / 569 )
كان أبو حامد يقول باكتساب النبوة ، وكان يقول : لا تتخطوا رقاب الصديقين ؛ قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : إن الرسالة والنبوة قد انقطعت ، فلا رسول بعدي ولا نبي ؛ أي لا نبي بعدي يكون على شرع يخالف شرعي ، بل إذا كان يكون تحت حكم شريعتي ، ولا رسول ، أي لا رسول بعدي إلى أحد من خلق اللّه بشرع يدعوهم إليه ، فهذا هو الذي انقطع وسد بابه ، لا مقام النبوة ، فإنه لا خلاف أن عيسى عليه السلام نبي ورسول ، وأنه لا خلاف أنه ينزل في آخر الزمان ، حكما مقسطا عدلا بشرعنا لا بشرع آخر ، ولا بشرعه الذي تعبد اللّه به بني إسرائيل ، من حيث ما نزل هو به ، بل ما ظهر من ذلك هو ما قرره شرع محمد صلى اللّه عليه وسلم ،