أو ما كان من قوى حواسك ، والسائل ليس من أهله ، ومعنى ليس من أهله ، أن الذي أعطاك هذه الأمانة علمت منه لمن أراد أن توصلها إليه ، فإذا أجبت السائل لكرامته عليك ، فقد خنت ، وإن لم تجب وعدلت في الجواب إلى أمر آخر يقنع به السائل ، ولو عرف ما سترت عنه عز عليه ذلك ، فقد كذبت ، كمسئلة الخليل في الكذبات الثلاث ، أثرت عنده في القيامة ، فاستحى من اللّه أن يكلمه في فتح باب الشفاعة ، مع القصد الجميل في ذلك ، والصدق في دلالة اللفظ ، ولكن لم يكن ذلك مقصود المخاطب ، فسمي كذبا ، فانظر ما أخطر هذا الموضع .
ولكي نفهم معنى كلام الشيخ الأكبر هنا ، يجب علينا أن نفهم تفسير قوله تعالى
أَ أَنْتَ فَعَلْتَ هذا بِآلِهَتِنا يا إِبْراهِيمُ قالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا فَسْئَلُوهُمْ إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ
، يقول الشيخ الأكبر رضي اللّه عنه في الجزء الأول الصفحة 234 ، وفي الجزء الثالث الصفحة 350 ، وفي الجزء الرابع الصفحة 323 : لما كان اللّه تعالى هو الكبير بما نصبه المشركون من الآلهة ، لهذا قال الخليل في معرض الحجة على قومه ، مع اعتقاده الصحيح أن اللّه هو الذي كسر الأصنام المتخذة آلهة ، حتى جعلها جذاذا ، مع دعوى عابديها بقولهم
ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى
فاعترفوا أن ثمّ إلها كبيرا أكبر من هؤلاء ، ونسبوا الكبر له تعالى على آلهتهم ، فقال إبراهيم عليه السلام
بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ
فجاء بلفظ الكبير ، لأنهم قائلون بكبرياء الحق على آلهتهم التي اتخذوها ، فهذا الذي قاله إبراهيم عليه السلام صحيح في عقد إبراهيم عليه السلام ، وإنما أخطأ المشركون حيث لم يفهموا عن إبراهيم ما أراد بقوله
بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ
فكان قصد إبراهيم عليه السلام بكبيرهم اللّه تعالى ، وإقامة الحجة عليهم ، وهو موجود في الاعتقادين ، وكونهم آلهة ذلك على زعمهم ، والوقف عليه حسن عندنا تام ، وابتدأ إبراهيم بقوله
هذا
إشارة ابتداء وخبره محذوف ، يدل عليه قوله
بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ
أو
هذا
قولي ، فالخبر محذوف يدل عليه مساق القصة
فَسْئَلُوهُمْ إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ
ومثل هذا ينبغي أن يكون قصد الأنبياء عليهم السلام ، فهم العلماء صلوات اللّه عليهم .
هذا بعض ما وقفت عليه في الفتوحات المكية ، من كلام الشيخ الأكبر محي الدين