أبو حامد الغزالي
توفي عام 505 ه
دخول أبي حامد إلى الطريق :
قال أبو حامد : لما أردت أن أنخرط في سلك القوم ، وآخذ مآخذهم ، وأغرف من البحر الذي اغترفوا منه ، خلوت بنفسي واعتزلت عن نظري وفكري ، وشغلت نفسي بالذكر ، فانقدح لي من العلم ما لم يكن عندي ، ففرحت بذلك ، وقلت : إنه قد حصل لي ما حصل للقوم ؛ فتأملت فإذا فيه قوة فقهية مما كنت عليه قبل ذلك ، فعلمت أنه بعد ما خلص لي ، فعدت إلى خلوتي واستعملت ما استعمله القوم ، فوجدت مثل الذي وجدت أولا ، وأوضح وأسنى ، فسررت ، فتأملت فإذا فيه قوة فقهية مما كنت عليه وما خلص لي ، عاودت ذلك مرارا ، والحال الحال ، فتميزت عن سائر النظار أصحاب الأفكار بهذا القدر ، ولم ألحق بدرجة القوم في ذلك ، وعلمت أن الكتابة على المحو ليست كالكتابة على غير المحو ، وقال أبو حامد : بقيت أربعين يوما حائرا .
الفرق بين علماء النظر إذا دخلوا طريق اللّه - كالفقيه والمتكلم - وبين الأمي ، الذي لم يتقدم علمه اللدني علم ظاهر فكري ، فيأتيه ذلك بأسهل الوجوه ، وسبب ذلك أنه لما كان لا فاعل إلا اللّه ، وجاء هذا الفقيه والمتكلم إلى الحضرة الإلهية بميزانهما ، ليزنوا على اللّه ، وما عرفوا أن اللّه تعالى ما أعطاهم تلك الموازين ، إلا ليزنوا بها للّه لا على اللّه ، فحرموا الأدب ، ومن حرم الأدب عوقب بالجهل بالعلم اللدني الفتحي ، فلم يكن على بصيرة من أمره ، فإن كان وافر العقل ، علم من أين أصيب ، فمنهم من دخل وترك ميزانه على الباب ، حتى إذا خرج أخذه ليزن به للّه - وهذا أحسن حالا ممن دخل به على اللّه - ولكن قلبه متعلق بما تركه ، إذ كان في نفسه الرجوع إليه ، فحرم من الحق المطلوب بقدر ما تعلق به خاطره