بالعهد ، فإنا عهدنا إليهم أن يذكروني ، فأنفوا أن يذكروني إلا على طهارة ، كما قال صلى اللّه عليه وسلم : إني كرهت أن أذكر اللّه إلا على طهر ؛ أو قال طهارة ، ورأوا هؤلاء نفوسهم غير طاهرة ، لما فيها من الدعاوى في الخير ، الذي قام بهم من عند اللّه ، فينسبونه لأنفسهم ، وما أعطوا اللّه حقه من رد ذلك إليه - كما فعل القليل من عباده - إلى غير الدعاوى من الأمور التي لا تتصف النفوس بوجودها بالطهارة ، فهؤلاء غاروا أن يذكروا اللّه ، وهم الذين يذكرون اللّه سرا في نفوسهم ، وأما الذين يذكرونه علانية ، فإنهم شاهدوا قلوب العامة في غاية من الغفلة عن اللّه ، فقالوا : إذا ذكرنا اللّه فيهم ذكروه ، فإنهم إذا سمعوا ذكر اللّه لم يتمكن لهم إلا أن يذكروه ، فيذكرونه بقلوب غافلة عما يجب للّه من التعظيم ، فإذا كان مشهدهم هذا ، غاروا على اللّه فلم يذكروا ، وكان منهم الشبلي في أول حاله وغيره ، فما وفّى هؤلاء بعهد اللّه ، ولا كانوا على معرفة من اللّه ، وهذا حال أكثر أهل الطريق ، ولا سيما أهل الورع منهم ، فخرجوا بهذا عن العهد الذي عهد إليهم من ذكره ، في قوله
اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً
وما قيد حالا من حال ، وهو قوله عليه السلام : الحمد للّه على كل حال ؛ فإن القلب وإن غفل عن الذكر ، الذي هو حضوره مع المذكور ، فإن الإنسان من كونه سميعا ، قد سمع ذكر اللّه من لسان هذا الذاكر ، فخطر بالقلب ووعى ما جاء به هذا الذاكر ، ولم يجئ إلا بذكر اللسان الذي وقع بالسمع ، فجرد له هذا القلب ما يناسبه من الذاكرين منه وهو اللسان ، فذكر اللّه بلسانه ، موافقة لذكر ذلك الذاكر المذكر له ، والقلب مشغول في شأنه الذي كان فيه ، مع أنه لم يشتغل عن تحريك اللسان بالذكر ، فلم يشغله شأن عن شأن ، فما ذكر أحد اللّه عن غفلة قط ، وما بقي إلا حضور باستفراغ له ، أو حضور بغير استفراغ بل بمشاركة ، ولكن زمان أمره اللسان بالذكر ، ما هو زمان اشتغاله بغيره ، فما ذكره غافل قط أي عن غفلة في حال أمر القلب اللسان بالذكر ، إلا في حال ذكر اللسان ، ثم إن اللسان قد وفّى حقه في العلانية من الذكر ، فإنه من الأشياء المسبحة للّه ، فمن غار على اللّه لم يعرفه ، وإنما يغار له لا عليه ، وأما أهل هذه المنازلة ، فإنهم غاروا على اللّه أن يذكره غيره ، وهم أهل الدعاوى في الذكر ، وهم يشهدون أن اللّه هو الذاكر نفسه بلسان عبده ، فذكروه وهم يعلمون أنهم ما ذكروه ، مثل قوله : إن اللّه قال عن لسان عبده سمع اللّه لمن حمده ؛ وهو من جملة الذكر ،