تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الرد على ابن تيمية من كلام الشيخ الأكبر — صفحة 251

مساهمون:

ص٢٥١
فالغيرة في طريق اللّه ، هي الغيرة للّه أو باللّه أو من أجل اللّه ، والغيرة على اللّه محال ، فالغيرة للّه ومن أجل اللّه وباللّه هو أن يرى الإنسان ما حده الحق أن يتعداه الخلق ، فيقوم به صفة الغيرة للّه لا لنفسه ، ومن أجل اللّه لا من أجل نفسه ، إذ علم أن الخلق عبيد اللّه ، وأنه من حكم العبد أن لا يتعدى حد ما رسم له سيده ، وأما أن يغار على اللّه ، فإن الغيرة ستر يحجب المغار عليه ، حتى لا يكون إلا عنده خاصة ، وطريق اللّه مبني على أن ندعو الخلق إلى اللّه ، وأن نردهم إليه ونحببه إليهم ، ونعرفهم به وبمكانته ، وبهذا أمرنا ، والغيرة الكونية تأبى ذلك كله ، لجهلها بالمغار عليه ، الذي لا يستحق الغيرة عليه ، فالغيرة على اللّه ليست بصحيحة ، والقائل بذلك قصد الخير ، ولكن ما علم طريقه ، وإنما التبس عليه الغيرة للّه بالغيرة على اللّه . ( ف ح 1 / 115 - ح 2 / 244 - ح 1 / 741 - ح 2 / 244 ) فإن قلت : إن المحب غيور على محبوبه منه ، وهذا أحق ما يوجد في حق من يحب اللّه ، قلنا : هذا مقام الشبلي ، أداه إلى ذلك تعظيم محبوبه في نفسه وحقارة قدره ، فرأى أنه لا يليق بذلك الجناب العزيز إدلال المحبين ، فإن المحبين لهم إدلال في الحضرة الإلهية ، إلا المحبين الموصوفين بالغيرة ، فإنهم لا إدلال لهم ، لما غلب عليهم من التعظيم ، فهم الموصوفون بالكتمان ، وسببه الغيرة ، والغيرة من نعوت المحبة ، فهم لا يظهرون عند العالم بأنهم من المحبين ، وهذا مقام رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فإنه وصف نفسه بأنه أغير من سعد ، بعد ما وصف سعدا بأنه غيور ، فأتى ببنية المبالغة في غيرة سعد ، ثم ذكر أنه صلى اللّه عليه وسلم أغير من سعد ، فستر محبته وما لها من الوجد فيه ، بالمزاح وملاعبة الصغير ، وإظهار حبه فيمن أحبه من أزواجه وأولاده وأصحابه ، هذا كله من باب الغيرة ، وقوله
إِنَّما أَنَا بَشَرٌ
فلم يجعل عند نفسه أنّه من المحبين ، فجهلته طبيعته وتخيلت أنه معها ، لما رأته يمشي في حقها أو يؤثرها ، ولم تعلم بأن ذلك عن أمر محبوبه إياه بذلك ، وهذا كله من باب الغيرة على المحبوب أن تنتهك حرمته ، وأن هذا ينبغي أن يكون الأمر عليه ، تعظيما للجناب الأقدس أن يعيّن ، ثم لا يظهر ذلك الاحترام من الكون ، فسدل ستر الغيرة في قلوب عباده المحبين ؛ ويحتمل أن يكون حال الشبلي - في ذلك الوقت - رؤية الذاكرين اللّه على الغفلة وبعدم الحرمة ، مثل من يذكره بلغو الأيمان والأيمان الفاجرة ، وذكر اللّه في طلب المعاش في الأسواق ، فغار أن يذكر بهذه الصفة ،