لما لم يوف المذكور حقه من الحرمة عند الذكر ، والشبلي ما يبعد أن يكون هذا قصده بذلك القول في بدء أمره ، وفي وقت حجابه عن معرفة ربه ، وأما مع المعرفة فلا يكون هذا ، يعني قوله : إذا لم أر له ذاكرا ؛ وإن معنى ذلك عندنا في حق كبراء العارفين ، أن الذكر لا يكون مع المشاهدة ، فلا بد للذاكر أن يكون محجوبا ، وإن كان اللّه جليس الذاكر ، ولكنه من وراء حجاب الذكر ، وكل من هو خلف حجاب من مطلوبه ، فإنه لا راحة عنده . فإذا رفع الحجاب وقعت المشاهدة ، وزال الذكر بتجلي المذكور ، فلذلك قال : إنما أستريح إذا لم أر له ذاكرا ؛ فطلب أن تكون مشاهدته تمنعه عن إدراك الذاكرين ، أو تمنىّ للذاكرين أن يكونوا في مقام الشهود ، الذي يمنعهم من الذكر ، إذ المؤمن يحب لأخيه ما يحب لنفسه ، وعلى ذوق آخر ، وهو أنه لا يستريح إلا إذا رأى أن الذاكر هو اللّه لا الكون ، إذا كان الحق لسانه كما هو سمعه وبصره ويده ، فيستريح لأنه رأى أنه قد ذكره من يعلم كيف يذكره ، إذ كان هو الذاكر نفسه بلسان عبده ، فاستراح عند ذلك فلم ير له ذاكرا غيره . ( ف ح 2 / 358 ، 245 )
من أحب شيئا غار عليه ، ومن غار فهو مع الحب لا مع المحبوب ، ومن أحب الحق وغار عليه ، فما أحبه إلا في حضرة الخيال ، والحق سبحانه لا يدخل تحت سلطان الوهم والخيال ، نعم له في كل حضرة تجل ، فأحبه في تجلي هذه الحضرة ، والعارف لا يغار بل يعشّقه للخلق ، ومن غار على الحق من نفسه كالشبلي ، فما عرف نفسه ، ومن غار على الحق لم يذكره ، ومن لم يذكر الحق لم يذكره الحق ، ومن لم يذكره فهو مبعود « 1 » ، وأنت تحجبك مشاهدة المذكور عن الذكر ، والحق يشهدك ويذكرك ، غر للحق ولا تغر عليه ، فلا تكون الغيرة حجابا إلا للعارف ، أما غير العارف فإنها له عين القرب ، ودليله زوال الغيرة عنه عند المعرفة . ( كتاب الشاهد ) .
لذلك كله ، جاء في منازلة للشيخ الأكبر ، قول الحق تعالى له : من غار عليّ لم يذكرني ؛ قال اللّه تعالى
وَما وَجَدْنا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنا أَكْثَرَهُمْ لَفاسِقِينَ
عن الوفاء
هامش
( 1 ) هكذا في الأصل .