اعلم أيدنا اللّه وإياك ، أن اللّه تعالى أبدع أمناءه من اسمه اللطيف ، وتجلى لهم في اسمه الجميل ، فأحبوه تعالى ، والغيرة من صفات المحبة في المحبوب والمحب ، بوجهين مختلفين ، فستروا محبته غيرة منهم عليه ، وسترهم بهذه الغيرة عن أن يعرفوا ، والغيرة نعت إلهي ، ورد في الخبر أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال في سعد : إن سعدا لغيور ، وأنا أغير من سعد ، واللّه أغير مني ، ومن غيرته حرم الفواحش ؛ فالغيرة أثبتها الإيمان ، وهي في الحيوان من أثر شح الطبيعة ، وأعظمها في حقيقة نفس الإنسان ، لما ركبه اللّه عليه في نشأته ، من وفور العقل وتحكيم القوى الروحانية والحسية منه ، فانجرت الغيرة المصاحبة للشح الطبيعي ، فكان أكثر الحيوان غيرة ، لأن سلطان الشح والوهم فيه أقوى مما في سواه ، والعقل ليس بينه وبين الغيرة مناسبة في الحقيقة ، ولهذا خلقه اللّه في الإنسان لدفع سلطان الشهوة والهوى ، الموجبين لحكم الغيرة فيه ، فإن الغيرة من مشاهدة الغير المماثل ، المزاحم له فيما يروم تحصيله أو هو حاصل له من الأمور ، التي إذا ظفر بها واحد لم تكن عند غيره ، وقد جبله اللّه على الحرص والطمع ، أن يكون كل شيء له وتحت حكمه ، لإظهار حكم سلطان الصورة التي خلق عليها ، فإن من حقيقتها أن يكون كل شيء تحت سلطانها ، حتى إن بعض الناس ، أرسل حكم غيرته فيما لا ينبغي أن يرسلها ، فغار على اللّه ، وما خلق وما كلّف إلا أن يغار للّه لا على اللّه ، فبهذا بلغ من العبد سلطان استحكامها في الإنسان ، فألحقته بالجاهلين ، والعقل الكامل يعلم أنه خلق لربه لا لغيره ، وعلم بذاته أن من خلقه لا يمكن أن يزاحمه في أمر ، ولا يعارضه في حكم ، فيقول هو هو على ما هو عليه في نفسه ، فليس كمثله شيء ، وأنا أنا على ما أنا عليه في نفسي ، ولي أمثال من جنسي ، فليس له فيما أنا عليه قدم إلا التحكم ، وليس لي فيما هو عليه إلا قبول الحكم ، فلا مزاحمة ولا غيرة ، فالإنسان بما هو عاقل إن كان تحت سلطان عقله ، فلا يغار لأنه ما خلق إلا للّه ، واللّه لا يغار عليه ، فإذا غار العاقل فإنما يغار من حيث إيمانه ، فهو يغار للّه ، ولها موطن مخصوص شرعه له لا تتعداه ، فكل غيرة تتعدى ذلك الحد ، فهي خارجة عن حكم العقل ، منبعثة عن شح الطبيعة وحكم الهوى ، فالغيرة أثبتها الإيمان ، ولكن بأداة مخصوصة وهي اللام الأجلية ، أو من أو الباء ، وتستحيل بأداة على ، وهي التي وقعت من الشبلي ، إما غلطة وإما قبل أن يعرف اللّه معرفة العارفين ،
الرد على ابن تيمية من كلام الشيخ الأكبر — صفحة 250
مساهمون: محمود محمود الغراب
ص٢٥٠