فلما دارت الكأس * دعا بالنطع والسيف
كذا من يشرب الراح * مع التنين في الصيف
ثم قيل له : ناد عليك بلسانك ، وصف الحالة ، ونزه قاتلك ونديمك عن الحيف ، فإني سأظهر فيك عجبا ، فنادى بلسانه على نفسه ، قبل أن يؤخذ من تركيبه ومحبسه ، وقال :
نديمي غير منسوب * إلى شيء من الحيف
سقاني مثل ما يشرب * كفعل الضيف بالضيف
فلما دارت الكأس * دعا بالنطع والسيف
كذا من يشرب الراح * مع التنين في الصيف
ثم ردّه إلى وجوده بسكره كما ذكر ، فصلب كما شهر .
فإن قلت : إن المقام الذي أشرت إليه من التوحيد ، هو اعتقاد أهل السنة ، وفيه أفنت الأشعرية أعمارها حتى علمته ، فأي غريبة أتى هذا الصوفي ؟ أو بأي صفة زائدة ورد علينا ؟
قلنا : صدقت فيما قلت ، لكن بين الصوفي والأشعري في هذه المسألة ، ما بين علمت وعاينت ، وهو المعنى اللطيف الذي يفضل به الشاهد الغائب ، وإن علمنا قطعا أن الخليفة في الوجود ، فلسنا كمن شاهده وشاهد حضرته .
ولكن للعيان لطيف معنى * لذا سأل المعاينة الكليم
وهذا هو عين اليقين الذي يفضل علم اليقين .
ودليلي على ذلك ، أن أهل السنة وإن كان هذا هو اعتقادهم ، فإنهم يتغيرون عندما تجري أمور اللّه تعالى عليهم على غير مرادهم ، مخالفة لأغراضهم ، فكيف عند حلول البلايا العظيمة ، وهذا لعدم مشاهدة المعذب في العذاب ، أو المنعم في النعمة ، وهذا الرجل صاحب البيت - وكل من حصل في مقامه - لا يتغير لذلك ، بل يلهج فرحا بمراد اللّه تعالى ، فتلحظه ساكنا تحت مجاري الأقدار ، وسكونه عبارة عن ترك الاعتراض في فعله فيه ، فبهذا فضلت هذه الطائفة غيرها ، وقد شوركوا في العلم . ( رسالة الانتصار )