تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الرد على ابن تيمية من كلام الشيخ الأكبر — صفحة 245

مساهمون:

ص٢٤٥
قول الحلاج : ما قدّ لي عضو ولا مفصل إلا وفيه لكم ذكر العشاق هم الذين استهلكوا في الحب ، فإذا عم الحب الإنسان بجملته ، وأعماه عن كل شيء سوى محبوبه ، وسرت تلك الحقيقة في جميع أجزاء بدنه وقواه وروحه ، وجرت فيه مجرى الدم في عروقه ولحمه ، وغمرت جميع مفاصله ، فاتصلت بوجوده ، وعانقت جميع أجزائه جسما وروحا ، ولم يبق فيه متسع لغيره ، وصار نطقه به ، وسماعه منه ، ونظره في كل شيء إليه ، ورآه في كل صورة ، وما يرى شيئا إلا ويقول : هو هذا ، حينئذ يسمى ذلك الحب عشقا ، كما حكي عن زليخا أنها افتصدت فوقع الدم في الأرض ، فانكتب به يوسف يوسف ، في مواضع كثيرة حيث سقط الدم ، لجريان ذكر اسمه مجرى الدم في عروقها كلها ، وهكذا حكي عن الحلاج ، لما قطعت أطرافه انكتب بدمه في الأرض اللّه اللّه حيث وقع ، ولذلك قال رحمه اللّه :
ما قد لي عضو ولا مفصل * إلا وفيه لكم ذكر
وهذا كله من مقام الخلة وفيه يقول القائل :
وتخللت مسلك الروح مني * وبذا سمي الخليل خليلا
ومع ذلك فقد لطخ الحلاج وجهه بالدم حين قطعت أطرافه ، وهو صاحب هذا القول في هذه الحال ؛ فاعلم أنه لابد طبعا عند الإحساس من الاضطراب وتغير المزاج ، ولذلك لطخ الحلاج وجهه بالدم حين قطعت أطرافه ، لئلا يظهر إلى عين العامة تغير مزاجه ، غيرة على المقام ، فإنه ما آلمك وحكم عليك بخلاف غرضك ، إلا لتسأله في رفع ذلك عنك ، بما جعل فيك من العرض الذي بسببه تألمت ، فمن لم يشك إلى اللّه مع الإحساس بالبلاء وعدم موافقة الغرض ، فقد قاوم القهر الإلهي ، فالأدب كل الأدب في الشكوى إلى اللّه في رفعه ، لا إلى غيره ، ويبقى عليه اسم الصبر ، كما قال تعالى في رسوله أيوب
إِنَّا وَجَدْناهُ صابِراً
في وقت الاضطراب والركون إلى الأسباب ، فلم يضطرب ولا ركن إلى شيء غير اللّه ، إلا إلينا ، لا إلى سبب من الأسباب ، هذا بخلاف الآلام النفسية ، إذا وردت الأمور التي من