الجسد ، سمي مواضع انقطاعه حروفا ، فظهرت الحروف ، فلما تألفت ظهرت الحياة الحسية في المعاني ، وهو أول ما ظهر من الحضرة الإلهية للعالم ، ولم يكن للأعيان في حال عدمها شيء من النسب إلا السمع ، فكانت الأعيان مستعدة في ذواتها في حال عدمها ، لقبول الأمر الإلهي إذا ورد عليها بالوجود ، فلما أراد بها الوجود ، قال لها : كن ، فتكونت وظهرت في أعيانها ، فكان الكلام الإلهي أول شيء أدركته من اللّه تعالى ، بالكلام الذي يليق به سبحانه ، فأول كلمة تركبت كلمة كن ، وقد عرفنا الحق أن سبب الحياة في صور المولدات ، إنما هو النفخ الإلهي ، فأعطى عيسى علم هذا النفخ الإلهي ونسبته ، فكان ينفخ في الصور الكائنة في القبر ، أو في صورة الطير الذي أنشأه من الطين ، فيقوم حيا بالإذن الإلهي ، الساري في تلك النفخة وفي ذلك الهواء ، ولولا سريان الإذن الإلهي فيه ، لما حصلت حياة في صورة أصلا ، فالكلمات عن الحروف ، والحروف عن الهواء ، والهواء عن النفس الرحماني ، وبالأسماء تظهر الآثار في الأكوان ، وإليها ينتهي العلم العيسوي ، والأصل في هذا أن الحي الأزلي عين الحياة الأبدية ، وإنما ميز الطرفين - أعني الأزل والأبد - وجود العالم وحدوثه الحي ، وهذا العلم هو المتعلق بطول العالم ، أعني العالم الروحاني ، وهو عالم المعاني والأمر ، ويتعلق بعرض العالم ، وهو عالم الخلق والطبيعة والأجسام ، والكل للّه
أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ
قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي
تَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ
وهذا كان علم الحسين بن منصور رحمه اللّه ، فإذا سمعت أحدا من أهل هذه الطريقة يتكلم في الحروف ، فيقول :
إن الحرف الفلاني طوله كذا ذراعا أو شبرا ، وعرضه كذا ؛ كالحلاج وغيره ، فإنه يريد بالطول فعله في عالم الأرواح ، وبالعرض فعله في عالم الأجسام ، ذلك المقدار المذكور الذي يميزه به ، وهذا الاصطلاح من وضع الحلاج ، فمن علم من المحققين حقيقة كن ، فقد علم العلم العلوي ، ومن أوجد بهمته شيئا من الكائنات ، فما هو من هذا العلم . ( ف ح 1 / 169 )
قول الحلاج : ولدت أمي أباها إن ذا من عجوباتي
هذا في النكاح الغيبي ، وهو أن المعاني تنكح الأجسام نكاحا غيبيا معنويا ، فيتولد