تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الرد على ابن تيمية من كلام الشيخ الأكبر — صفحة 238

مساهمون:

ص٢٣٨

الحسين بن منصور الحلّاج

قتل عام 309 ه

حال أويس القرني وحال الحلاج في الإيثار :

كان أويس القرني رحمه اللّه تعالى ، يتصدق بطعامه وشرابه وثيابه ، ثم يقول : اللهم من مات جوعا فلا تؤاخذني به ؛ فما كان يتصدق إلا بفضل طعامه وثيابه ، فيأخذ حاجته أولا ، ثم يعطي ما يفضل كل ليلة عن قوته ، وهو يعلم أن ثمّ جائعا ولم يعطه ، وقال الحلاج رضي اللّه عنه يخبر عن حالته : إذا قعد الرجل عشرين يوما دون غذاء ، ثم جاءه طعام فعرف أن في البلد من هو أحوج منه لذلك الطعام ، فأكله ولم يؤثر به ذلك المحتاج فقد سقط . فاعلم أن العارف إذا كان صاحب حال مثل الحلاج ، فرق بين نفسه وبين غيره ، فعامل نفسه بالشدة والقهر والعذاب ، وعامل نفس غيره بالإيثار والرحمة والشفقة ، وإذا كان العارف صاحب مقام وتمكين وقوة ، صارت نفسه عنه أجنبية ، لا فرق عنده بينها وبين نفوس العالم ، فما يلزمه في حق نفوس الغير من الرحمة والشفقة ، يلزمه في حق نفسه ، لكونها صارت عنه أجنبية ، وارتفع هو علويا ، وبقيت هي مع أبناء جنسها سفلية ، فلزمه العطف عليها كما لزمه العطف على غيرها ، فإن صاحب الصدقة العارف إذا خرج بصدقته ، ولقي أول مسكين يدفع إليه الصدقة ، فإن تركه ومضى إلى مسكين آخر ولم يدفع ، فقد انتقل من رضى ربه إلى هوى نفسه ، وخرج من ديوانهم ، فإنها مثل الرسالة ، لا يخص بها شخصا دون شخص ، أول من يلقاه يقول له : قل لا إله إلا اللّه ؛ ولا شك أن هذا العارف إذا وهبه الباري رزقا ، يعرف أنه مرسول به إلى عالم النفوس الحيوانية ، فينزل من حضرة عقله إلى أرض النفوس ، ليؤدي إليهم ذلك القدر الذي وجّه به ، فأول نفس تلقاه نفسه لا نفس غيره ، وسبب ذلك أن نفوس الغير غير ملازمة له ، ولا متعلقة به ، لأنها لا تعرفه ، ونفسه
الرد على ابن تيمية من كلام الشيخ الأكبر — صفحة 238 | محمود محمود الغراب