الذات ، وبدت عليهم رسوم الصفات ، هم عرائس اللّه المخبأون عنده ، المحجوبون لديه ، الذين لا يعرفهم سواه ، كما لا يعرفون سواه ، توجهم بتاج البهاء ، وإكليل السناء ، وأقعدهم على منابر الفناء عن القرب ، في بساط الأنس ، ومناجاة الديمومية بلسان القيومية ، أورثهم ذلك قوله
عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ
وبشهادتهم قائمون ، فلم تزل القوة الإلهية تمدهم بالمشاهدة ، فيبرزون بالصفات في موضع القدمين ، فلا وله إلا من حيث الاقتداء ، ولا ذكر إلا إقامة سنة أو فرض ، لا يحيدون عن سواء السبيل ، فهم بالحق ، وإن خاطبوا الخلق وعاشروهم فليسوا معهم ، وإن رأوهم لم يروهم ، إذ لا يرون منهم إلا كونهم من جملة أفعال اللّه ، فهم يشاهدون الصنعة والصانع ، مقاما عمريا « 1 » ، والعبد عبّر عنه بالرداء أو الثوب ، لأنه الظاهر حسا ، ويخفى القديم بظهوره .
( ف ح 1 / 103 - كتاب مواقع النجوم - ف ح 1 / 103 ، 63 )
وإذا نظرنا إلى قول أبي يزيد البسطامي في سعة قلب العارف : لو أن العرش وما حواه ، مائه ألف ألف مرة ، في زاوية من زوايا قلب العارف ما أحس به ؛ وإلى قول الجنيد :
إن المحدث إذا قرن بالقديم لم يبق له أثر ؛ فقول الجنيد هنا أتم من قول أبي يزيد ، فإن المحدث إذا قرنته بالقديم كان الأثر للقديم لا للمحدث ، فإن العارف لما وسع الحق قلبه ، وسع قلبه كل شيء ، إذ لا يكون شيء إلا عن الحق ، فلا تتكون صورة شيء إلا في قلبه ، يعني في قلب ذلك العبد الذي وسع الحق ، فتبين لك بهذه المقارنة ما هو الأمر عليه ، وهو ما قلناه ، فإنه لا يمكن أن يجهل الأثر ، وإنما كان قبل هذه المقارنة ينسب إلى المحدث ، فلما قرنه بالقديم رأى الأثر من القديم ، ورأى المحدث عين الأثر ، فقال ما قال ، فالعالم على أصله في العدم ، والحكم له فيما ظهر من وجود الحق ، فما ثمّ إلا الحق مجملا ومفصلا ، لأن المحدث إذا قرنته بالقديم لم يبق له أثر وإن بقي له عين ، فإن العين بلا أثر ما هي معتبرة ، ولهذا قلنا فيمن دل على معرفة الواجب لنفسه : لا يتمكن له أن يثبت له أثرا ، حتى يعلم أن هذه الآثار الكائنة في العالم تحتاج إلى مستند لإمكانها ، فعند ذلك يقوم لهم البرهان على إسنادها لواجب الوجود لنفسه ، وذلك كمال العلم . ( ف ح 4 / 8 ، 92 )
هامش
( 1 ) هو قول عمر رضى اللّه عنه : ما رأيت شيئا إلا رأيت اللّه بعده .