تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الرد على ابن تيمية من كلام الشيخ الأكبر — صفحة 234

مساهمون:

ص٢٣٤

سئل الجنيد عن المعرفة والعارف فقال : لون الماء لون إنائه .

أي أن العارف على قدر ما يقام فيه من أحوال الشهود ، وهو قول الصوفي : إنه الظاهر في المظاهر ؛ والمظاهر على ما هي عليه ، والظاهر فيها هو الموصوف بالعلم بأمور ، وبالجهل بأمور ، أعطاه ذلك استعداد المظهر لما انصبغ به ، فهو قول الصوفية : إن العالم خرج على صورة الحق في جميع أحكامه الوجودية ؛ فالحق صفة العالم ، لأن صفته الوجود وليس إلا اللّه ، ولذلك ورد في الخبر الصحيح : « كنت سمعه وبصره وهكذا جميع قواه وصفاته » ، فلما كان العالم ظرفا مكانيا لمن استوى عليه ، ظهر بصورته ، لذلك لما سئل الجنيد عن المعرفة والعارف قال : لون الماء لون إنائه ؛ فجعل الأثر للظرف في المظروف ، وذلك لتعلم من عرفت ، فتعلم أنك ما حكمت على معروفك إلا بك ، فما عرفت سواك ، فأي لون كان للإناء ظهر الماء للبصر بحسب لون الإناء ، فحكم من لا علم له بأنه كذا ، لأن البصر أعطاه ذلك ، فله التجلي في كل صورة من صور الأواني ، من حيث ألوانها ، فلم يتقيد في ذاته الماء ، ولكن هكذا تراه ، وكذا تؤثر فيه أشكال الظروف التي يظهر فيها ، وهو ماء فيها كلها ، فالأثر للأوعية ، فهو في الأوعية كما هو في غير وعاء ، بحده وحقيقته . ( ف ح 1 / 285 ، 688 ، 740 ) ومن وجه آخر فإن قول الجنيد : لون الماء لون إنائه ؛ أي هو متخلق بأخلاق اللّه حتى كأنه هو ، وما هو هو ، وهو هو ، وأما عن المعرفة ، فإن علوم العارف إذا أعطاها اللّه العبد في غير صورها ، وأعلمه ما أراد بها ، فوقف على عينها من تلك الصورة ، فهو المشبه بالحوض ، لأنه يدرك الماء ويدرك الكدر الذي في قعر الحوض ، ويلبس الماء ولا بد في ناظر العين لون ذلك الكدر ، حمرة كان أو صفرة أو ما كان من الألوان ، فتبصر الماء أحمر أو أصفر وغير ذلك ، ولهذا قال الجنيد قوله ، ولما قبل الماء هذا اللون ، صار في العين مركبا من متلون ولون ، وهو في نفس الأمر شيء آخر ، فيعلم الماء ويعلم أن ذلك لون الوعاء ، كذلك التجليات في المظاهر الإلهية حيث كانت ، فأما العارف فيدركها دائما ، والتجلي له دائم ، والفرقان عنده دائم ، فيعرف من تجلى ، ولماذا تجلى ، ويختص الحق دون العالم بكيف تجلى ، لا يعلمه غير اللّه ، لا ملك ولا نبي ، فإن ذلك من خصائص الحق ، لأن الذات مجهولة في الأصل ، فعلم كيفية تجليها في المظاهر غير حاصل ، ولا مدرك لأحد من خلق اللّه ، فقول